الكاتب: EZZAHRAOUI ABDO

  • من يحمل مشعل الضاد؟ أزمة تكوين الأساتذة الجدد في اللغة العربية

    لا أظنني وحدي من بات يشعر بالقلق كلما سمع أخطاء أستاذ اللغة العربية اللغوية، أو علم أن قواعد النحو والصرف والإملاء تقدم باللهجة العامية، إضافة إلى الأخطاء الإملائية غير المقبولة.

    لقد صار من المألوف – للأسف – أن نلاحظ ترديا واضحا في مستوى عدد لا يستهان به من الأساتذة الجدد، أولئك الذين يفترض أن يكونوا حملة مشعل اللغة، والمدافعين عنها في زمن صاخب تتزاحم فيه اللهجات واللغات في معركة لغوية لا ترحم.

    الأمر لا يتعلق بزلة لسان أو خطأ عابر هنا أو هناك، بل بمظاهر مستمرة ومقلقة: ركاكة في التعبير، وضعف في التمكن من القواعد الأساسية، وأخطاء نحوية وإملائية فادحة، بل وحتى عجز عن تبسيط المفاهيم اللغوية للتلاميذ؛ هذا الواقع يدفعنا إلى طرح سؤال جوهري: ما الذي حدث لمسار تكوين أستاذ اللغة العربية؟

    فالتحاق الطالب بشعبة اللغة العربية في الجامعة، أو مراكز التكوين التربوي، لا يكفي وحده لصناعة معلم كفء، أو مدرس ناجح، فكم من خريج نال شهادته بطريقة أو بأخرى، دون أن يكون قد ترسخت لديه أصول اللغة، أو نمت عنده مهاراتها بشكل راسخ! المشكلة أعمق من مجرد شخص، إنها بنية تكوين هشة لا تركز بما فيه الكفاية على الكفاءة اللغوية والتمرس العملي.

    ثمة انفصال بين النظرية والممارسة، فالكثير من البرامج تكدس المعرفة في رؤوس الطلبة دون أن تزرع فيهم حب اللغة، أو تدربهم على نقلها بصدق وفاعلية، وما يزيد الطين بلة، أن بعض من يلجون مهنة التعليم، لا يحملون شغفا حقيقيا باللغة العربية، وإنما وجدوا أنفسهم فيها بدافع التعيين أو الاستقرار الوظيفي.

    ولعل أخطر ما في هذا التدهور، أنه لا يقف عند الأستاذ وحده، بل ينسحب أثره على الأجيال القادمة، وتلك كارثة عظمى. فكيف نرجو من تلميذ أن يحب العربية، أو يعتز بها، أو يتقنها، إذا كان معلمه يخطئ في “إنّ وأخواتها”؟ بل ومنهم من يكتب لتلميذته على هامش دفترها بعد تصحيحه المزعوم: “أحسنتي بارك الله فيكي”! فهذه أخطاء ليست فادحة فحسب، بل هي أخطاء فاضحة.

    كيف نبني ذوقا لغويا راقيا في قلوب الصغار، إن كان القدوة ضعيفا أمامهم؟ المعلم ليس مجرد ناقل معلومات، أو موجه في المثلث الديدكتيكي، بل هو صورة اللغة التي يتلقاها التلميذ، وينسج على منوالها.

    الحل لا يكمن في جلد الأساتذة الجدد أو تهميشهم، بل في إعادة بناء منظومة التكوين من أساسها: مراجعة البرامج، تشديد معايير التخرج، تفعيل التقييمات العملية، وتقديم تكوين مستمر يكون فيه النقد البناء فرصة للتحسن لا للإدانة، كما يجب أن نعيد الاعتبار لمكانة الأستاذ القدوة، ونعزز حضور من يتقن العربية بحق في التأطير والمرافقة.

    اللغة العربية ليست مجرد مادة دراسية كباقي المواد، بل إنها هوية ولسان أمة، وإن كان لكل أمة شعلة يحملها جيل إلى جيل، فإن مشعل الضاد لن ينار إلا بأيد تعي قدره، وتتقنه، وتحبه، وتجله. فمن يحمل هذا المشعل اليوم؟ وهل نحن بصدد فقدانه دون أن نشعر؟

  • واقع اللغة من واقع أهلها… والواقع لا يرتفع.

    اللغة ليست مجرد أداة تواصل، بل هي وعاء للهوية، ومخزون للثقافة، وروح للأمة. ومع ذلك، فإن الواقع الذي نعيشه اليوم في العديد من الدول العربية يبعث على القلق، حيث أصبحت اللغة العربية – وهي إحدى أكثر اللغات غنى وثراءً – تُهمّش تدريجياً في المكاتب والمؤسسات، وتُستبدل بلغات أجنبية في المراسلات، والعقود، ولوائح العمل، بل وحتى في لافتات الشوارع والمطاعم.

    لم تعد مفاجئة رؤية مراسلة رسمية داخل إدارة حكومية تُكتب بالفرنسية أو الإنجليزية، في بلد عربي يفترض أن تكون العربية لغته الرسمية. وكأننا نعتذر عن لغتنا، أو نستصغرها أمام لغات الآخرين. هذا ليس انفتاحا ثقافيا، بل هو انسلاخ لغوي تدريجي، يحدث تحت غطاء “الحداثة” و”الكفاءة” و”الاندماج في السوق العالمية”.

    لكن لنكن صرحاء: اللغة لا تنهض من تلقاء نفسها، ولا تسقط إلا حين يتخلى عنها أهلها. فالواقع اللغوي انعكاس مباشر لواقع المجتمع وموقفه من لغته. إن تهميش العربية في الإدارة والتعليم والإعلام، ليس سوى نتيجة طبيعية لتهميشها في الوعي الجمعي.

    ما يؤلم حقًا هو أن اللغة العربية تمتلك من المرونة والثراء ما يجعلها قادرة على مواكبة التقدم العلمي والتقني، لو أُعطيت الفرصة والدعم المؤسسي الكافي. نحن لا نعاني من قصور في اللغة، بل من قصور في السياسات، وفي الإيمان الجماعي بقيمة ما نملك.

    النهضة تبدأ بإعادة الاعتبار للغة الأم، لا بتهميشها. حين تُستبدل العربية في المراسلات الرسمية بلغة المستعمر القديم، فذلك مؤشر على خلل أعمق من مجرد اختيار لغوي. إنه خلل في التصور الحضاري، وفي الثقة بالذات.

    وهذه مقارنة بين اللغة العربية واللغة الإنجليزية على مستوى المعجم والمرونة، مع تحليل بعض الأمثلة التي برزت من خلال تدريس اللغة العربية للناطقين بغيرها. مع الإحالة على مصدر المعطيات.

    أولا: الغنى المعجمي

    اللغة العربية

    • تُقدّر بعض المصادر عدد كلمات اللغة العربية (عند احتساب جميع المشتقات من الجذور) بأكثر من 12 مليون كلمة، وذلك بفضل نظام الجذور الثلاثية/ الرباعية ووظيفة الأوزان التصريفية Reddit.
    • أمثلة مشهورة: لكل معنى كـ”أسد” أو “حب”، هناك عشرات مرادفات دقيقة تعبر عن حالات ومفاهيم مختلفة: مثل “ليث”، “غضنفر”، أو “السبع”، “هيام” للحب Shaykhi Academy.
    • لكن بعض النقاشات التقويمية تشير إلى أن أدوات العد تتفاوت: قاموس تاج العروس يحتوي نحو 120,000 مدخلاً للجذور، ولا يقاس بنفس المفهوم مثل معجم أكسفورد بالإنجليزية، مما يعني أن عملية التحويل للمشتقات تضخم الأرقام Reddit.

    اللغة الإنجليزية

    • قاموس Oxford English Dictionary يضم نحو 170,000 كلمة في الاستخدام المعاصر و220,000 إذا ضمنا الكلمات القديمة والمهجورة، بينما أرقام أعلى (مثل مليون) تشمل مصطلحات علمية ولاتينية وتقنية نادرة الاستخدام Reddit+2Wikipédia+2free-word-counter.online+2.
    • الإنجليزية غنية أيضًا بالاقتباسات من الفرنسية واللاتينية وغيرها، ما يجعل نحو 60% من مفرداتها مستعارة من مصادر لاتينية أو رومانسية Wikipédia.

    خلاصة الغنى المعجمي:

    • العربية تتفوق من حيث القدرة النظرية على توليد عدد هائل من الكلمات باستخدام نظام الجذور والأوزان.
    • الإنجليزية أكثر ثراءً في التطوير المستمر واقتباس المصطلحات الأجنبية، لكنها أقل قدرة على توليد مشتقات بنفس سلاسة النظام العربي.

    ثانيا: المرونة النحوية والصرفية

    العربية

    • تعتمد نظام الصرف غير التسلسلي (non‑concatenative morphology): الكلمات تتكوّن من جذور ووضعها في وزن معين لتوليد معنى مختلف، مما يمكن من إيصال معان دقيقة ومركبة في كلمة واحدة Wikipédia.
    • الأسماء تصرف حسب الإعراب (مرفوع، منصوب، مجرور)، التعريف/التنكير، الجنس (مذكر/مؤنث)، والعدد (مفرد، مثال، جمع)، وهذا يعكس مرونة تصريفية عالية جدا مقارنة بالإنجليزية WikipédiaResearchGate.
    • وفق دراسات مقارنة، تصريف الأسماء في العربية أكثر تعقيدا وثراء من الإنجليزية التي صنفتها كـ”ضعيفة التصريف” مقارنة بالعربية StudocuResearchGate.

    الإنجليزية

    • اللغة أكثر تحليليّة (analytic)، بمعنى أنها تعتمد في التعبير عن المعنى على تركيب الجمل وليس على تصريف الكلمة بنفسها. الأفعال تُصَرَّف ببساطة (walk, walks, walked) مع قلة في تنوع الأوزان والتصريفات WikipédiaReddit.
    • أمثلة مثل الجمع أو الماضي غالبًا بإضافة لاحقة بسيطة، ولا يوجد في اللغة نظام مزدوج مثل العربية أو إعراب حسب الحالة Wikipédiastudylib.net.

    خلاصة المرونة:

    • العربية تقدّم مرونة صرفية ونحوية هائلة، تسمح بكلمة واحدة بحمل معلومات نحوية كاملة (زمن، عدد، جنس، شخص، حالات).
    • الإنجليزية تستخدم وصفًا نحويًا أكثر وتفكك المعنى عبر تراكيب الجملة وليست داخل الكلمة الواحدة.

    مقارنة مختصرة

    الجانبالعربيةالإنجليزية
    عدد الجذور الأساسية~60‑80 ألف جذور رئيسيةعدد محدود من جذور أصلية (تقلّص مع القروض الأجنبية)
    عدد المشتقات الممكنةملايين حسب نظام الأوزانآلاف قليلة نسبيًا، يعتمد على الاقتراض والتكوين
    تنوّع التصريفمفرد، مثنى، جمع، إعراب، تعريف/نكرة، جنس…مفرد وجمع فقط، ضمائر وأزمنة محدودة
    مرونة التعبير في كلمة واحدةعالية جدًا (تحمل وظيفية نحوية كاملة)تعتمد على تركيب الجملة وليس داخل كلمة مفردة

    الخلاصة

    • تتميز اللغة العربية بقدرة صياغية فائقة بفضل نظام الجذور والأوزان، ما يمنحها غنى معجميا هائلا ومرونة صرفية ونحوية عالية.
    • أما الإنجليزية، فهي أقوى في تبني كلمات جديدة من لغات أخرى، ومرنة من حيث التعبير عن المعنى عبر الجملة وليس داخل الكلمات نفسها.
    • الإجابة على “أيهما أغنى؟” تعتمد على مفهوم “الكلمة” وطبيعة المستخدم:
      • من زاوية النظم التصريفية وأشكال المشتقات: تتفوّق العربية.
      • من حيث عدد الكلمات المستقلة في الاستخدام والتقنية والمعجم: الإنجليزية ربما تغلب.

    أضف بعض الأمثلة التطبيقية ومقارنة بعض الاشتقاقات مع صياغة ذلك في جدول

    جدول مقارنة اشتقاقات تطبيقية

    الأصل أو الجذرالاشتقاقات في اللغة العربيةالاشتقاقات في اللغة الإنجليزيةالملاحظة
    ك-ت-بكَتَبَ (فعل)، كِتاب، مَكتبة، مَكْتوب، كاتِب، كُتُب، كِتابة، تَكْتِيب، اسْتِكْتاب، مُكاتَبة، كَتِيب، كُتَيِّبwrite, writer, written, writing, rewritable, write-upالعربية تولّد >10 كلمات من نفس الجذر بتنوّع كبير في المعنى والصيغة
    ع-ل-معَلِمَ، عِلم، عالِم، معلومة، تَعليم، مُتعلِّم، استعلام، إعلام، مُعلَن، مَعلَم، عِلمانيknow, known, knowledge, knowledgeable, acknowledgeالعربية تنتج معانٍ دقيقة (فاعل، مفعول، مصدر)، الإنجليزية أقل مرونة
    س-ل-مسَلِمَ، سَلام، مُسالِم، مُسالَمة، استسلام، تسليم، مُسَلَّم، سِلْم، سَليم، مُسلِمpeace, peaceful, pacify, pacification, submit, submissionالجذر العربي الواحد ينتج مشتقات دينية، اجتماعية، لغوية، وفعلية
    runلا جذر ثلاثي بل فعل بسيطrun, running, runner, ran, rerunالإنجليزية مشتقاتها محدودة في الكم لكنها أكثر مباشرة في الاستخدام
    actact, action, active, actor, actress, activate, activity, inactive, inactionالإنجليزية تُنتج اشتقاقات غالبًا بإضافة لواحق (suffixes) لا تغير بنية الكلمة
    seesee, seeing, seen, oversee, overseeer, unseen, foreseeأقل نظام اشتقاقي، لا يعتمد على جذور بل على إضافة مقاطع (prefix/suffix)

    تحليل أمثلة مختارة

    من الجذر “ك-ت-ب” (العربية):

    • كَتَبَ: الفعل الماضي.
    • كِتاب: اسم يدل على الشيء المكتوب.
    • كاتِب: اسم الفاعل، الشخص الذي يكتب.
    • مَكتوب: اسم المفعول.
    • مَكْتَبة: مكان الكتابة أو الكتب.
    • اسْتِكْتاب: طلب الكتابة.
    • كُتَيِّب: تصغير “كتاب”، للتعبير عن الحجم الصغير.

    كل كلمة أعلاه تشتق من الجذر نفسه، ولكن تُغير المعنى والدلالة والسياق.

    في المقابل من “write” (الإنجليزية):

    • write: الفعل الأساسي.
    • writer: من يقوم بالفعل.
    • written: اسم المفعول.
    • writing: الاسم المصدري (gerund).
    • rewrite: إعادة الكتابة.

    عدد الاشتقاقات أقل، ولا توجد صيغة “مكان الكتابة” أو “طلب الكتابة” في ذات البنية اللغوية.

    الاستنتاج من الأمثلة

    • العربية تمكّن المتحدث من توليد عدد ضخم من الكلمات من جذر واحد بإضافة أوزان وبنية صرفية، دون الحاجة إلى مفردات دخيلة.
    • الإنجليزية تعتمد على السوابق واللواحق (prefixes and suffixes)، مما يُقيّد عدد الاشتقاقات ما لم تُستخدم كلمات أجنبية أو تركيبية.

    ختاما، الواقع لا يرتفع، ما لم ينهض أهله. وإن كنا نريد للعربية أن تستعيد مكانتها، فلنبدأ من المؤسسات، من التعليم، من الأسرة والقسم الذي تستبدل فيه  باللهجة المحلية، من الإعلام، من أنفسنا. اللغة لا تملى من فوق، بل تصان وتغذى من القاعدة.

  • الذكاء اللغوي وحفظ النصوص: عندما تتجلى الفطنة في عباءة الحرف.

    إن اللغة ليست مجرد وسيلة تواصل، بل هي وعاء الفكر وروح الهوية، بها نعبر، وبها نرتقي. ومن هنا ينبثق الذكاء اللغوي، بوصفه أحد أبرز تجليات العقل البشري، كما صاغه [هوارد غاردنر] في نظريته عن “الذكاءات المتعددة”. ويتمثل هذا الذكاء في القدرة على توظيف اللغة بفصاحة ودقة، وفهم بنيتها وأساليبها، والتفاعل مع دلالاتها العميقة.

    ومن أعظم مظاهر هذا النوع من الذكاء، ما نلحظه في القدرة على حفظ النصوص الطويلة والمسترسلة، وهو أمر لطالما تميزت به الثقافة العربية منذ فجرها، حيث امتزجت الفطرة البلاغية بالذائقة السمعية الرفيعة، فقد كان العرب قبل الإسلام يعلقون القصائد الطوال على جدران الكعبة، مثل المعلقات، ويروى أن السيدة عائشة رضي الله عنها كانت تحفظ آلاف الأبيات من الشعر الجاهلي، فضلا عن القرآن الكريم بأكمله، وهو أرقى نموذج للنص المحفوظ بدقة ووعي.

    لذلك فحفظ القرآن الكريم يمن وخير وبركة، والتفريط في ذلك مع وجود الوقت والظروف حسرة وندامة.

    فقشهد تاريخنا نماذج مبهرة من أصحاب الذكاء اللغوي، مثل الخليل بن أحمد الفراهيدي، الذي ابتكر علم العَروض واستنبط أوزان الشعر، والجاحظ الذي ملأ الدنيا بموسوعته البلاغية والفكرية، وكذلك الحمّادين، وهما حمّاد الراوية وحمّاد عجرد، اللذان عرفا في العصر الأموي والعباسي بحفظهما المذهل للشعر الجاهلي والإسلامي.
    فأما حمّاد الراوية، فكان يلقب “براوية العرب”، وقد عرف بحفظه الجم حتى قيل: إنه يحفظ كل ما يروى من الشعر الجاهلي، وكان مرجعا في نقل المعلقات وسائر الأشعار.

    وأما حمّاد عجرد، فكان شاعرا راوية بصريا ذا طابع ساخر، له نصيب وافر من حفظ الشعر ونقده؛ وعلى الرغم من أن بعض العلماء اتهموا الراوية باختلاق أو نسبة بعض الأبيات لغير أصحابها، فإن ذلك لا يقلل من موهبته اللغوية الخارقة، التي جعلته والذي ذكر قبله من أعلام الذكاء اللغوي في الذاكرة العربية.

    هذا التميز في حفظ النصوص لم يكن مجرد تمرين ذهني، بل كان دليلا على اندماج العقل بالعاطفة، والذاكرة بالإيقاع، حيث يعيد صاحب الذكاء اللغوي إنتاج النصوص في ذهنه بوعي جمالـي، لا يقتصر على تكرار الحروف، بل يشمل إدراك النغمة والمعنى والسياق.

    إن الذكاء اللغوي، في صميمه، قدرة على التماهي مع النص، والارتقاء بالكلمة من مجرد أصوات إلى كائنات حية تسكن الوجدان وتشكل وعي الإنسان، لذلك ظل هذا الذكاء أحد أعمدة الحضارة العربية والإسلامية، التي ارتكزت في نهضتها على الكلمة المقروءة والمسموعة والمحفوظة.

  • منطق النحو عند سيبويه من خلال مؤلفه “الكتاب”

    يعد “الكتاب” لسيبويه أحد أعمدة النحو العربي وأول محاولة منهجية لوضع علم النحو في صورة متكاملة قائمة على منطق لغوي داخلي، لم يقتصر سيبويه على جمع شواهد اللغة، بل كان يؤسس لقواعدها بمنهج استقرائي تحليلي مستند إلى الفطرة اللغوية للعرب، وإلى منطق استنتاجي داخلي ينظم العلاقات بين عناصر اللغة.

    في هذا المقال نحاول تسليط الضوء على “منطق النحو” عند سيبويه، أي الكيفية التي يعلل بها الأحكام النحوية، ويبنى بها القواعد، ويميز فيها بين الأصل والفرع، والقياس والسماع.

    أ: مفهوم المنطق النحوي عند سيبويه

    لم يستخدم سيبويه مصطلح “المنطق” صراحة بمعناه الفلسفي، لكن طريقته في التأليف تكشف عن عقلية منطقية منظمة، تسعى إلى تعليل الظواهر اللغوية وفق مبادئ ثابتة، كالمماثلة، والقياس، والاضطرار، والسماع.

    ومن شواهد ذلك قوله في أول الكتاب:

    “هذا باب ما حملوه على الكلام قبله”.

    هنا يظهر مبدأ القياس، أي حمل لاحق الكلام على سابقه لوجود وجه من الشبه أو الاطراد، وهو مبدأ منطقي في غاية الأهمية.

    ب: التعليل والقياس في “الكتاب

    اعتمد سيبويه كثيرا على القياس والتعليل المنطقي، فهولا يكتفي بوصف الظاهرة، بل يشرح لماذا جاءت بهذا الشكل. مثلا، في باب “ما يجزم فيه الفعل”:

    قوله: “وإنما جزم الفعل لأن “إن” وقعت موقع الفاء التي تجزم”

    [الكتاب، الجزء الأول، باب الجزم]

    هذا تعليل منطقي وظيفي، يفسر الظاهرة من حيث علاقتها بعناصر أخرى في الجملة.

    ج:  الفَرْق بين الأصل والفرع

    يميز سيبويه بين القياس والسماع، ويقر بأن الأصل في العربية هو القياس، لكن إذا ورد السماع عن العرب الفصحاء، فإن السماع يعلو. مثال على ذلك:

    قوله: “واعلم أن الأصل ترك الإدغام، إلا ما كان من كلامهم كثيراً مطردا”
    [الكتاب، الجزء الثاني]

    فهو هنا يستحضر المنطق الإحصائي أو ما يمكن وصفه بـ”الاطراد”، وهو منطق ملاحظاتي Empirical Logic.

    د:  نظرية العامل النحوي

    سيبويه أسس لما صار يعرف في النحو بنظرية العامل، وهو مفهوم منطقي يحكم العلاقة بين الكلمات. مثال:

    قوله: “واعلم أن الفعل إذا كان تامًّا فلا بد له من فاعل، كما أن “ضرب” يحتاج إلى ضارب”
    [الكتاب، الجزء الأول]

    هنا يظهر أثر الربط السببي، أي أن الحاجة إلى الفاعل تنبع من طبيعة الفعل التام، وهو تفكير منطقي تجريدي.

    يمثل “الكتاب” لسيبويه مرحلة مبكرة في التأسيس العلمي للنحو، لكنه في الوقت نفسه يحتوي على كثير من المبادئ المنطقية التي تبناها سيبويه بطريقة عملية. حيث جمع بين الاستقراء (من خلال جمع الشواهد)، والاستنتاج (من خلال تعميم القواعد)، والتعليل (بتفسير الظواهر اللغوية). لذا فإن منطق النحو عند سيبويه ليس مجرد تنظيم لغوي، بل هو عقلية نحوية استنباطية رائدة.

  • اللغة العربية في الأندلس: لسان الجميع

    في الأندلس، لم تكن اللغة العربية حكرًا على المسلمين، بل أصبحت لغة الحضارة التي يتكلم بها الجميع: المسلم والمسيحي واليهودي على حد سواء. فقد امتدت مكانة العربية لتكون لغة الدولة، والتعليم، والعلم، والأدب، فاستقطبت إليها كل من أراد الارتقاء أو التميز الثقافي، حتى من خارج الدائرة الإسلامية.

    العربية تتجاوز الحدود الدينية

    بحلول القرن التاسع الميلادي، أصبح من الشائع أن يُتقن المسيحيون اللغة العربية إلى درجة لفتت انتباه رجال الدين المسيحيين أنفسهم. فقد كتب “ألفارو القرطبي”، وهو كاهن مسيحي عاش في قرطبة، رسالة يشتكي فيها من أن شباب الطائفة المسيحية أصبحوا يتقنون العربية ويتفننون فيها بلاغةً وأسلوبًا، بينما أهملوا لغتهم الأصلية (اللاتينية) وكتبهم الدينية.

    هذا التوجه لم يكن غريبا؛ فالعربية كانت لغة الفرص. من أراد منصبا إداريا، أو علما متقدما، أو حتى حضورا في الحياة الثقافية، كان عليه أن يتقنها. ولهذا، كان المسيحيون في الأندلس يرسلون أبناءهم إلى المدارس الإسلامية لتعلم العربية، بل شاركوا هم أنفسهم في الإبداع بها.

    أدباء مسيحيون كتبوا بالعربية

    لم يقتصر استخدام العربية على التخاطب، بل ظهر أدباء مسيحيون كتبوا بها أعمالًا أدبية وفكرية، نذكر منهم:

    • سعيد بن البطريق (توفي 940م): طبيب ومؤرخ مسيحي كتب بالعربية في موضوعات طبية وتاريخية.
    • حنين بن إسحاق: وإن لم يكن أندلسيا، إلا أنه من أبرز النصارى الذين كتبوا بالعربية، وترجموا بها، وأثروا التراث العلمي العربي.
    • ابن العبري (1226–1286): مفكر سرياني مسيحي كتب مؤلفات دينية وتاريخية وفلسفية بالعربية.
    • أسماء غير مباشرة من المستعربين: مثل بعض شعراء النصارى الذين عاشوا في قرطبة وطليطلة وساهموا في المشهد الأدبي العربي، وإن لم تصلنا جميع أسمائهم.

    موروث حضاري مشترك

    اللغة العربية في الأندلس كانت رمزًا لحضارة جامعة، استطاعت أن توحّد الناس رغم اختلاف أديانهم، تحت راية الثقافة والمعرفة. وهي تجربة تاريخية فريدة تستحق التأمل، لأنها تُظهر كيف يمكن للغة أن تكون جسرًا لا حاجزا.

  • اللسانيات الشرعية.

    ورقة تأصيلية تأسيسية لفرع جديد من فروع اللسانيات.

    نحو تأصيل لساني للخطاب الشرعي: ملامح تأسيسية لحقل اللسانيات الشرعية


    الورقة التأسيسية: المسودة العلمية الأولية

    الملخص:

    تسعى هذه الورقة إلى تأصيل ميدان معرفي جديد يُسمى بـ”اللسانيات الشرعية”، يُعنى بتحليل النصوص والخطابات الشرعية من منظور لساني معاصر. وتنطلق من فرضية مفادها أن النص الشرعي، في سياق تلقيه وتأويله وإنتاجه الفقهي، يتسم بخصوصيات لسانية تتطلب أدوات تحليل تتجاوز الإطار الفقهي التقليدي إلى منهج وصفي علمي يزاوج بين معطيات اللسانيات التداولية، والحجاجية، والمعرفية. وتطمح الورقة إلى بيان الحاجة العلمية لهذا الحقل، وتحديد موضوعاته وحدوده ومناهجه، والدفاع عن مشروعيته في الوسط الأكاديمي، دون الخروج عن قواعد البحث العلمي الرصين أو الوقوع في التوظيف الدعوي.

    عرفت اللسانيات تطورات كبيرة منذ منتصف القرن العشرين، وتفرعت إلى تخصصات دقيقة، منها اللسانيات القانونية، ولسانيات الخطاب السياسي، والجنائي، وغيرها. غير أن الخطاب الشرعي، رغم مركزية اللغة فيه، لم يحظَ إلى الآن بدراسة لسانية ممنهجة تنظر إليه بوصفه خطابًا لغويًا يحكمه النسق التداولي والاجتماعي والثقافي.
    وتأتي هذه الورقة لتقترح تأصيل حقل معرفي يُسمّى بـ”اللسانيات الشرعية”، يُعنى بدراسة اللغة في نصوص الوحي والتأويل الفقهي، برؤية علمية ومنهج وصفي، من داخل الدائرة الأكاديمية.

    . لماذا “اللسانيات الشرعية”؟ دوافع التأسيس

    • تميز النص الشرعي بخطاب تعبدي/إلزامي له بنيات لغوية تختلف عن غيره.
    • اعتماد الفقهاء عبر القرون على أدوات لغوية (عام/خاص، مجاز، دلالة، إلخ) لكنها لم تُدرس ضمن إطار لساني علمي حديث.
    • افتقار الدراسات اللغوية الحديثة إلى مقاربة النصوص الإسلامية بمنهج علمي محايد، لا دعوي ولا تفكيكي.
    • الحاجة إلى تجديد صلة اللسانيات بالتراث العربي الإسلامي بشكل مؤسس ومنهجي.

     تعريف اللسانيات الشرعية وحدودها

    3.1 التعريف المقترح:

    اللسانيات الشرعية هي علم يُعنى بدراسة الخطاب الشرعي (قرآن، حديث، فقه، فتوى، أصول) من منظور لساني معاصر، باستخدام أدوات التحليل التداولي، الحجاجي، النصي، والمعرفي، لفهم كيف يُنتج المعنى داخل النسق الشرعي.

    3.2 الفرق بينها وبين المجالات المتجاورة:

    المجالالموضوعالمنهجالغاية
    اللسانيات القانونيةنصوص القانون الوضعيتحليل لغوي قانونيفهم القانون وتطبيقه
    اللسانيات الجنائيةلغة الجريمة والتحقيقاتتحليل أسلوبي/صوتي/حجاجيدعم التحقيقات القضائية
    اللسانيات الشرعيةالنصوص الشرعية والاجتهاديةلسانية تداولية وحجاجية ومعرفيةفهم النص الشرعي وتأويله

    4. الموضوعات الرئيسة لهذا الحقل

    4.1 التحليل التداولي للنصوص الشرعية

    • أفعال الكلام في القرآن والحديث.
    • السياق ودوره في إنتاج الحكم الشرعي.
    • التلقي والمقاصد التواصلية.

    4.2 التأويل اللساني في أصول الفقه

    • دلالة العام والخاص بوصفها مقولات دلالية.
    • الأمر والنهي: تحليل لغوي تداولي.
    • أصول الفقه كنظرية لغوية تأويلية مبكرة.

    4.3 الحجاج الفقهي

    • آليات الحجاج في بناء الحكم.
    • المقارنة بين الحجاج الفقهي والحجاج القانوني.
    • بلاغة الفتوى والخطاب القضائي الشرعي.

    4.4 العلاقة بين اللغة والسلطة في الخطاب الشرعي

    • كيف تُنتج اللغة السلطة الدينية؟
    • متى تصبح العبارة ملزمة؟ وما شروطها التداولية؟

    5. المنهجية

    • وصفية، غير معيارية.
    • تستند إلى النظريات اللسانية الحديثة: التداولية، الحجاج، لسانيات النص، علم المعنى المعرفي.
    • تراعي السياق الفقهي والتراثي، دون الخضوع له أو رفضه.

    6. الردود العلمية على الاعتراضات المحتملة

    • المجال دعوي وليس علميًا → المنهج المعتمد وصفي تحليلي، لا تفسيري ديني.
    • ليس له سابقة أكاديمية → هذا طرح تأسيسي، كما بدأت لسانيات القانون والسياسة والجنائيات.
    • يُشوّه العلوم الشرعية أو يعلمنها → بل يُفهمها ويحللها وفق أدوات علمية، دون أن يحكم عليها.
    • خطير على العقيدة → لا يتعرض للغيب أو الثوابت الإيمانية، بل يدرس الخطاب بوصفه لغة متداولة.

    إن اللسانيات الشرعية تمثل فرصة علمية حقيقية لتجديد النظر في الخطاب الإسلامي، دون أن تخرج عن نسق البحث الأكاديمي الرصين. وهي دعوة لإقامة حوار معرفي بين علوم التراث وعلوم اللسان المعاصرة، يُنتج فهمًا أعمق للنص الشرعي في بنيته وسياقه وتلقيه، ويؤسس لتوطين حقيقي للمعرفة اللسانية في البيئة الإسلامية.

    مع تحيات الأستاذ: الزهراوي

  • حين تُهان اللغة باسم الفهم

    المثقف والأخطاء المغتفَرة

    اللغة ليست مجرد “وسيلة” بل كائن حيّ، ومن يستخفّ بها يطفئ نور المعنى

    كثيرًا ما تقع العين على مقالات أو منشورات أو مواد مرئية يكتبها أو يلقيها من يُحسبون على النخبة الثقافية، فنُفاجأ بأخطاء لغوية لا تليق، لا في النحو ولا الإملاء ولا حتى في بنية التراكيب. والمفارقة ليست في وقوع الخطأ، فهذا مما يعذر فيه البشر، بل في التبرير الذي يليه، وهو أن «المعنى واضح، فلا ضير».

    هذا المنطق، الذي يبدو في ظاهره رحيمًا، ينطوي على استهانة خطيرة بأحد أركان الثقافة وأدواتها: اللغة. والتمادي في هذا التساهل لا يُضعف النص فحسب، بل يطعن في وعي المتلقي، ويقوّض الذوق اللغوي العام، خصوصًا في عصرٍ يتشكّل فيه الوعي من خلال الكلمة السريعة والمحتوى الرقمي المتداول.

    ما أبخس الموازين حين يُقايَض المعنى بالصحة اللغوية، ويُقال إنّ وضوح الفكرة يعوّض ما عداها من خلل! أيُّ منطق هذا الذي يجعل من المعنى طاغية يُلغي بنية الجملة، وينكّل بالتركيب، ويُقصي النحو والصرف والإملاء كما يُقصى الهامش الباهت؟ إنّ اللغة العربية، بكل جلالها وهيبتها، ليست مجرد قناة تمرّر الأفكار كأنها أنابيب ماء، بل هي نسيجٌ دقيق، تنمو فيه المعاني، وتتشكل على أكتافه الدلالات، وتُصاغ على أوزانه الحقائق.

    حين يقال: “المعنى واضح فلا بأس”، فكأنما يُقال: “إن الثوب يؤدي الغرض وإن كان ممزقًا”، أو “إن العمارة صامدة وإن انهارت بعض جدرانها”. اللغة ليست عربةً لأفكار خام، بل مصنعٌ يُنتج المعنى في أجمل صورة، وإن مسّها العبث، تشوّه وجه الحقيقة، وسقطت الهيبة.

    أليست اللغة هي التي ميّز الله بها الإنسان؟ أفنُسقط عنها قدسيتها من أجل رخصة تساهل؟!

    أولا: المثقف الذي يجهل اللغة، كحارس لا يعرف مفاتيح أبوابه

    القول بأن اللغة مجرد وسيلة لنقل المعنى، قول فيه تقزيم لدورها وتبسيط مخلّ لطبيعتها. فالعربية، بما تمتلكه من نظام نحوي وصرفي وبلاغي، ليست مجرّد أنبوب تمرّ فيه الأفكار كيفما اتفق. إن لكل حركة فيها وزنًا، ولكل تركيب أثرًا، وللخطأ – مهما بدا بسيطًا – عواقب تتسلل إلى المعنى وتُربكه، أو تُفرغه من دقّته.

    الفكرة لا تقف وحدها، بل تنهض بثوبها، واللغة هي هذا الثوب. فإن تشقّق البناء، ضعُف المعنى، وإن تساهل الكاتب، تساهل القارئ، ثم لا نلبث أن نجد أنفسنا أمام لغة تُقرأ وتُفهم، لكنها لا تُحترم.

    المثقف لا يُقاس بعدد الكتب التي يقرؤها، ولا بالشهادات التي يعلّقها على جدران مكتبه، بل بمدى إتقانه لأداته الأولى: اللغة. هي مجده وسلاحه، وهي معوله وهُويّته. فإذا انكفأ عنها، أو استهان بها، أصبح كعازفٍ لا يُجيد النوتة، أو كرسامٍ يخبط بريشته في الظلام.

    نحن لا نطلب من المثقف أن يكون سيبويه، ولا أن يتحدث بإعراب كامل في المجالس، ولكن ألا يخطئ في كتابة “إنّ” مكان “أنّ”، أو يخلط بين “إلا” و”إن لم”، ثم يُجاهر بأن الفهم أهم! هذا ليس مجرد خطأ، بل إهانة خفية للثقافة ذاتها.

    الخطأ مغفورٌ إن وقع، والاعتراف به خلقٌ نبيل. أما المكابرة عليه، وتبريره بالاستهانة، فهي جريمة معرفية. لأن المثقف ليس شخصًا عاديًا يُخطئ ويمضي، بل هو نموذج يقتدي به كثيرون، ومتى اعتادت الألسنة لحنَه، غدت الأذن لا تنكر الخلل، ولا تستسيغ الصواب.

    ثانيا: في زمن التلقي السريع، خطأ المثقف لا يُمحى… بل يتكاثر

    المثقف ليس فقط من يملك فكرة، بل من يُحسن التعبير عنها بلغة سليمة. والخلل في الصياغة لا يُبرَّر بأنه مجرد خطأ عابر، لا سيما إذا تكرر أو نُسج منه منهج. فكيف بمن يتصدر المشهد الثقافي، أو يُعد مرجعًا في مجاله، ثم يقع في لحن ظاهر أو إملاء مشوّه، ولا يعتذر، بل يُقلل من أهمية اللغة ذاتها؟!

    إن في هذا السلوك نزوعًا إلى الفردانية المعرفية، وخروجًا عن روح المسؤولية الثقافية التي تفرض على الكاتب والمثقف أن يكون قدوة لا مجرد ناقل معلومة.

    نحن نعيش زمنًا رقميًّا تُولد فيه الكلمة وتنتشر كالنار في هشيم الهواتف، وسرعة التلقي تجعل الخطأ أكثر عدوى من الصواب، لأن الناس – للأسف – تتبع الأسهل، وتُقلّد دون تمحيص. ولذا، حين يكتب المثقف جملةً سقيمة، ثم يُبررها بأن “الناس تفهم”، فهو في الحقيقة يُطلق سهمًا في قلب اللغة، ولن يعود وحده من يجرّ اللحن، بل سيتبعه جيلٌ بأكمله.

    المثقف، في هذا الزمن، ليس مجرد كاتب، بل هو منصّة. منشوره الصباحي قد يطّلع عليه الآلاف، ومقاله المملوء بالأخطاء قد يصبح مرجعًا لمن لم تُصقل لغته بعد. وهنا تصبح مسؤوليته مضاعفة، لا سيما حين يكون في موضع تأثير لا ملاحظة فقط.

    لغة المثقف ليست له وحده، بل يُحاسَب عليها كما يُحاسَب الطبيب على وصفته، والقاضي على حكمه.

    لقد تغيّر شكل القراءة، وتسارعت وتيرة التلقي. أصبحت الجملة تنتشر كوميض برق، ولا تعود محصورة بين دفتي كتاب. ومع هذا التحول، لم تعد الأخطاء محصورة بأثر محدود، بل صارت تُكرَّر وتُقلَّد، وتترسّخ في ذهن القارئ على أنها الصواب.

    هنا تظهر خطورة تساهل المثقف مع اللغة، إذ يتحول الخطأ إلى قاعدة، والتجاوز إلى عرف. وكلما قلّ احترام اللغة، زادت الفجوة بيننا وبين ذائقتها، حتى تُصبح الأذن لا تستنكر الخلل، ولا تميّز بين السليم والمعطوب.


    ثالثا: ليس بين الدقة والمعنى خصومة، بل بين الاستسهال والاحترام

    ثمة مغالطة شائعة تروَّج، مفادها أن الالتزام بقواعد اللغة يقيّد التعبير ويعقّد المعنى. والحق أن الصياغة الدقيقة هي التي تُبرز الفكرة وتحميها من اللبس. فليست البلاغة في زخرفة القول، بل في إحكامه. وكلما اقتربت اللغة من النظام، اقترب المعنى من النور.

    لم يكن الجاحظ ولا ابن المقفع، أو الرافعي، أو المنفلوطي، ولا طه حسين ولا نازك الملائكة يكتبون ليُعقّدوا الفهم، بل ليُعلوا من مقام الفكرة بحسن بنائها. إن احترام اللغة لا يعني التصنع، بل يعني الانضباط، ولا يتعارض مع الفهم، بل يضمنه.

    إنّ من أكبر المغالطات أن نُصور العناية باللغة على أنها “تعقيد” أو “تكلف”، وكأن وضوح المعنى لا يتحقق إلا بالتساهل، أو كأن الدقة تُعطّل الفهم! والحقيقة أن الجمال اللغوي لا يُعارض الفكرة، بل يُعليها، ويسمو بها، ويُثبّتها في الذهن.

    ولك أن تتأمل النصوص الباقية، من خطب العرب، وأشعار الجاهلية، ورسائل الأدباء، وقِطع المتصوفة والفلاسفة، تجدها تفيض بالبيان، وتحمل من المعنى ما يُبهر، ومن الدقة ما يُدهش، دون أن تخدش الفهم أو تتعالى على القارئ. فكيف صارت الدقة اليوم تُتّهم بالتصنّع، والركاكة تُبرَّأ لأنها “مفهومة”؟

    إنّ احترام اللغة لا يعني التشدق، بل الانضباط، والتمييز بين “الخطأ المقبول” و”الخطأ المُمأسس”. لأننا إن سامحنا أنفسنا باسم الفهم، سرعان ما نصل إلى زمن لا يُفهم فيه شيء.

    اللغة ليست لباسا يزين المعنى، بل هي روحه. ومن يفرّط في لغته، فقد فرّط في فكرته، وأسهم في إضعاف وعي قرّائه. والمثقف الذي يستهين بالخطأ اللغوي بحجة أن «المعنى واضح» إنما يخون مسؤولية الكلمة، ويضعف الثقة في أدواته.

    فحذارِ أن نُهين اللغة باسم التسهيل، أو نعتذر عن الخطأ بحجة «الوضوح». فالبداية من الحرف… والنهاية قد تكون في الفكر.اللغة لا تطلب منّا سوى الاحترام، ومتى خنّاها بالتبرير والتبرؤ، خانتنا في التعبير والتأثير.
    فيا من تحسب نفسك على الثقافة، لا تُسقِط مجدك في أول امتحان بسيط: إملاءً أو تركيبًا.
    واذكر أن المثقف يُوزن بلسانه كما يُوزن بفكره.
    فلا تكن من الذين قال فيهم شيخ البلاغيين، عبد القاهر الجرجاني: “يُفسد المعنى من حيث أراد إصلاحه.”

  • لمَ أكتب؟

    “لِمَ أكتب؟ — افتتاح المدونة”

    ليس ثمة دافعٌ أعظم من الحرف حين يُصبح حاجة، لا هواية.

    أكتب، لا لأنني أُحسن الكتابة بالضرورة، بل لأنني أضيقُ بالسكوت حين ترى العين ما لا ينبغي أن يُترك يمرّ، وتسمع الأذن ما لا يصح أن يُقال ثم يُطوى، وتقرأ العين ألف خطأ يُبرَّر تحت لافتة: “المعنى واضح، فلا بأس!”.

    هذه المدونة ليست درسًا في النحو، ولا قاموسًا لمعاجم التراث، ولا ساحةً للتمجيد المجاني لجمال العربية.
    بل هي محاولة هادئة – غاضبة أحيانًا – للوقوف في وجه التهاون الذي يمارسه بعض المحسوبين على النخبة، حين يخطئون ثم يبتسمون ويمضون، وكأن اللغة شيء تجميلي، لا أصل في التفكير، ولا ركن في الفهم.

    أكتب لأنني أُومن أن الكلمة إذا تهاونّا في ضبطها، تهاونّا في ما وراءها.
    لأن التراخي في البيان يلد التراخي في الموقف.

    وهنا، في هذا الفضاء الصغير، سأحاول أن أجمع تأملاتي، ونقدي، وأسئلتي، في اللغة التي هي بيتي، والفكر الذي هو قضيتي.

    إلى من يقدّر المعنى، ويقدّس البيان، أهدي هذه الكلمات الأولى.

    الزهراوي
    منطق الحرف… وقلق المعنى

  • Bonjour tout le monde !

    Bienvenue dans WordPress ! Ceci est votre premier article. Modifiez-le ou supprimez-le, et lancez votre blog.