تواصل الإنسان عبر اللغة نعمة من نعم الله الجليلة، حيث يحتاج المرء إلى اللغة في تخاطبه وتصبح استهلاكها كما تستهلك السلع، يجد المرء نفسه في حرج داخلي عميق وهو يحاول أن يحافظ على عفة لسانه وسط بيئة لسانية ملوثة، اعتادت الفحش حتى ألفته، واستساغت النبو حتى صار الاعتراض عليه بدعوى “المثالية الزائفة” في نظر البعض.
ولأن اللغة ليست مجرد أداة للتواصل، بل مرآة للفكر ووعاء للقيم، فإن ما يعتريها من تلوّث لا يقف عند حدود الألفاظ، بل يتسلل إلى الذوق العام، وإلى صورة الإنسان عن نفسه وعن الآخرين. فاللسان، كما قال القدماء، ترجمان القلب، وإذا فسد الترجمان اختل المعنى، مهما بدا الكلام سلسا أو “دارجا”.
حين يصبح القبح مألوفا
المؤلم في المشهد اللغوي المعاصر ليس انتشار الألفاظ النابية فحسب، بل اعتيادها، أن تسمع الكلمات الجارحة على ألسنة الصغار قبل الكبار، في الشارع والمدرسة ووسائل التواصل، دون أن تثير استغرابا أو استنكارا. بل قد ينظر إلى من ينزعج منها على أنه متكلف، أو منفصل عن “الواقع”، أو متعال بأخلاقه.
وهنا تكمن الخطورة: حين يفقد المجتمع حساسيته تجاه القبح، لا يعود القبح قبيحا، بل يصبح جزءا من المشهد اليومي، لا يلتفت إليه إلا إذا غاب، وعندها لا يكون الدفاع عن عفة اللسان دفاعا عن لفظ مهذب فحسب، بل عن حق الإنسان في بيئة لغوية نظيفة لا تجرحه سمعيا ولا تسقط هيبة الخطاب.
عفة اللسان: ضعف أم قوّة؟
يساء فهم عفة اللسان أحيانا، فتختزل في الصمت، أو في الخجل، أو في العجز عن المواجهة، والحقيقة أنها على النقيض من ذلك تماما، فعفة اللسان اختيار واع، وضبط للنفس، وقدرة على التعبير دون انزلاق إلى الإسفاف.
فاللغة العربية – التي نفخر بسعتها وعمقها – أو اللهجة العامية لا تعاني فقرا في المفردات حتى نضطر إلى استعارة الفحش للتعبير عن الغضب أو السخرية أو الرفض، لكنها تعاني في كثير من الاستعمالات المعاصرة، فقرا في الذوق، لا في المعجم.
إن القوي لغويا وأخلاقيا هو من يستطيع أن يكون حادا دون أن يكون بذيئا، صريحا دون أن يكون جارحا، ناقدا دون أن يكون ساقطا. أما اللجوء إلى الكلمة النابية، فكثيرا ما يكون إعلان إفلاس تعبيري لا أكثر.
حرج الفرد الواعي في مجتمع متساهل
يعيش المهتم باللغة والتواصل حرجا مضاعفا، فهو من جهة يدرك أثر الكلمة وخطورتها، ومن جهة أخرى يجد نفسه محاطا بخطاب عام لا يشاركه هذا الوعي، فيضحك حين لا يريد الضحك، ويصمت حين يكون الكلام أولى، ويتجاوز إساءات لفظية حفاظا على راحة البال التي لا تأتي.
وهذا الحرج مفهوم، بل مشروع، لكنه لا ينبغي أن يتحول إلى استسلام، فالحفاظ على عفة اللسان ليس مشروعا إصلاحيا صاخبا، بل ممارسة يومية هادئة، يكفي أحيانا أن تكون مختلفا دون إعلان اختلافك، وأن تقدم نموذجا بديلا دون أن ترفع لافتة الوعظ.
اللغة مسؤولية أخلاقية
لسنا مسؤولين عن كل ما يقال حولنا، لكننا مسؤولون عما نقوله نحن، وعن الأثر الذي تتركه كلماتنا في الآخرين، خصوصا في الصغار الذين يتعلمون اللغة بالسمع قبل الفهم، وبالتقليد قبل النقد.
وعندما يسمع الطفل ألفاظا نابية تصدر بلا حرج من الكبار، فإنه لا يتعلم الكلمة فقط، بل يتعلم أن القبح مقبول، وأن الحدود قابلة للتجاوز، وأن اللغة بلا سقف أخلاقي؛ وهنا لا يعود الحديث عن “حرية التعبير” كافيا لتبرير الفوضى اللفظية، لأن الحرية بلا مسؤولية ليست إلا شكالا آخر من أشكال الإهمال.
مقاومة هادئة لا صدامية
الدعوة إلى عفة اللسان لا تعني الدعوة إلى التعالي أو التصنيف الأخلاقي للناس، بل تعني استعادة الإيمان بأن للكلمة وزنا، وبأن تهذيب الخطاب لا يفقده قوته وصدقه، بل يمنحه عمقا واحتراما.
وقد تكون المقاومة الهادئة – بالقدوة، وبالبديل اللغوي الجميل، وبالانسحاب الذكي من بعض المواقف أبلغ أثرا من المواجهة المباشرة التي قد تفسر على أنها ادعاء الفضيلة والكمال.
في بيئة لسانية ملوثة، يصبح التمسك بعفة اللسان فعلا شجاعا، لا هروبا من الواقع، هو انحياز واعٍ للإنسان فينا، وللجمال الممكن في اللغة، حتى وسط الضجيج؛ وليس مطلوبا أن نصلح العالم بألسنتنا، لكن يكفي ألا نسهم في تلويثه.
فاللغة التي ننتقيها وننقيها في أفواهنا، ننقي بها – ولو قليلا – وعينا، وعلاقاتنا، وصورتنا عن أنفسنا وذلك، في حد ذاته، مكسب لا يستهان به.
