الكاتب: EZZAHRAOUI ABDO

  • عفة اللسان في بيئة لسانية ملوثة

    تواصل الإنسان عبر اللغة نعمة من نعم الله الجليلة، حيث يحتاج المرء إلى اللغة في تخاطبه وتصبح استهلاكها كما تستهلك السلع، يجد المرء نفسه في حرج داخلي عميق وهو يحاول أن يحافظ على عفة لسانه وسط بيئة لسانية ملوثة، اعتادت الفحش حتى ألفته، واستساغت النبو حتى صار الاعتراض عليه بدعوى “المثالية الزائفة” في نظر البعض.

    ولأن اللغة ليست مجرد أداة للتواصل، بل مرآة للفكر ووعاء للقيم، فإن ما يعتريها من تلوّث لا يقف عند حدود الألفاظ، بل يتسلل إلى الذوق العام، وإلى صورة الإنسان عن نفسه وعن الآخرين. فاللسان، كما قال القدماء، ترجمان القلب، وإذا فسد الترجمان اختل المعنى، مهما بدا الكلام سلسا أو “دارجا”.

    حين يصبح القبح مألوفا

    المؤلم في المشهد اللغوي المعاصر ليس انتشار الألفاظ النابية فحسب، بل اعتيادها، أن تسمع الكلمات الجارحة على ألسنة الصغار قبل الكبار، في الشارع والمدرسة ووسائل التواصل، دون أن تثير استغرابا أو استنكارا. بل قد ينظر إلى من ينزعج منها على أنه متكلف، أو منفصل عن “الواقع”، أو متعال بأخلاقه.

    وهنا تكمن الخطورة: حين يفقد المجتمع حساسيته تجاه القبح، لا يعود القبح قبيحا، بل يصبح جزءا من المشهد اليومي، لا يلتفت إليه إلا إذا غاب، وعندها لا يكون الدفاع عن عفة اللسان دفاعا عن لفظ مهذب فحسب، بل عن حق الإنسان في بيئة لغوية نظيفة لا تجرحه سمعيا ولا تسقط هيبة الخطاب.

    عفة اللسان: ضعف أم قوّة؟

    يساء فهم عفة اللسان أحيانا، فتختزل في الصمت، أو في الخجل، أو في العجز عن المواجهة، والحقيقة أنها على النقيض من ذلك تماما، فعفة اللسان اختيار واع، وضبط للنفس، وقدرة على التعبير دون انزلاق إلى الإسفاف.

    فاللغة العربية – التي نفخر بسعتها وعمقها – أو اللهجة العامية لا تعاني فقرا في المفردات حتى نضطر إلى استعارة الفحش للتعبير عن الغضب أو السخرية أو الرفض، لكنها تعاني في كثير من الاستعمالات المعاصرة، فقرا في الذوق، لا في المعجم.

    إن القوي لغويا وأخلاقيا هو من يستطيع أن يكون حادا دون أن يكون بذيئا، صريحا دون أن يكون جارحا، ناقدا دون أن يكون ساقطا. أما اللجوء إلى الكلمة النابية، فكثيرا ما يكون إعلان إفلاس تعبيري لا أكثر.

    حرج الفرد الواعي في مجتمع متساهل

    يعيش المهتم باللغة والتواصل حرجا مضاعفا، فهو من جهة يدرك أثر الكلمة وخطورتها، ومن جهة أخرى يجد نفسه محاطا بخطاب عام لا يشاركه هذا الوعي، فيضحك حين لا يريد الضحك، ويصمت حين يكون الكلام أولى، ويتجاوز إساءات لفظية حفاظا على راحة البال التي لا تأتي.

    وهذا الحرج مفهوم، بل مشروع، لكنه لا ينبغي أن يتحول إلى استسلام، فالحفاظ على عفة اللسان ليس مشروعا إصلاحيا صاخبا، بل ممارسة يومية هادئة، يكفي أحيانا أن تكون مختلفا دون إعلان اختلافك، وأن تقدم نموذجا بديلا دون أن ترفع لافتة الوعظ.

    اللغة مسؤولية أخلاقية

    لسنا مسؤولين عن كل ما يقال حولنا، لكننا مسؤولون عما نقوله نحن، وعن الأثر الذي تتركه كلماتنا في الآخرين، خصوصا في الصغار الذين يتعلمون اللغة بالسمع قبل الفهم، وبالتقليد قبل النقد.

    وعندما يسمع الطفل ألفاظا نابية تصدر بلا حرج من الكبار، فإنه لا يتعلم الكلمة فقط، بل يتعلم أن القبح مقبول، وأن الحدود قابلة للتجاوز، وأن اللغة بلا سقف أخلاقي؛ وهنا لا يعود الحديث عن “حرية التعبير” كافيا لتبرير الفوضى اللفظية، لأن الحرية بلا مسؤولية ليست إلا شكالا آخر من أشكال الإهمال.

    مقاومة هادئة لا صدامية

    الدعوة إلى عفة اللسان لا تعني الدعوة إلى التعالي أو التصنيف الأخلاقي للناس، بل تعني استعادة الإيمان بأن للكلمة وزنا، وبأن تهذيب الخطاب لا يفقده قوته وصدقه، بل يمنحه عمقا واحتراما.

    وقد تكون المقاومة الهادئة – بالقدوة، وبالبديل اللغوي الجميل، وبالانسحاب الذكي من بعض المواقف أبلغ أثرا من المواجهة المباشرة التي قد تفسر على أنها ادعاء الفضيلة والكمال.

    في بيئة لسانية ملوثة، يصبح التمسك بعفة اللسان فعلا شجاعا، لا هروبا من الواقع، هو انحياز واعٍ للإنسان فينا، وللجمال الممكن في اللغة، حتى وسط الضجيج؛ وليس مطلوبا أن نصلح العالم بألسنتنا، لكن يكفي ألا نسهم في تلويثه.

    فاللغة التي ننتقيها وننقيها في أفواهنا، ننقي بها – ولو قليلا – وعينا، وعلاقاتنا، وصورتنا عن أنفسنا وذلك، في حد ذاته، مكسب لا يستهان به.

  • لماذا لا تترجم هذه الآية؟

    أثناء تدريسي العربية للناطقين بغيرها، أواجه مشهدا يتكرر كثيرا:
    طالب مجتهد، منظم في تفكيره، يبدأ دائما من الصرف. يصرف الفعل في الماضي والمضارع والأمر، يبحث عن المصدر، ثم يعود إلى القاموس ليطمئن إلى المعنى، بعد ذلك يرفع رأسه قائلا: فهمت.
    لكنني أعرف – في تلك اللحظة تحديدا – أنه لم يذق شيئا بعد.

    أستحضر هذا الإحساس كلما وقفت عند قوله تعالى:

    ﴿فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا﴾
    (يوسف: 80)

    آية قصيرة جدا، ثلاث كلمات تقريبا، لكنها تختصر مشهدا نفسيا كاملا، مشهدا يصعب شرحه، ويكاد يستحيل نقله بلغة أخرى.

    حين يعمل العقل… ويغيب الإحساس

    الطالب غير العربي يتعامل مع كلمة «استيأسوا» بوصفها فعلا عاديا: جذر، وزن، معنى.
    لكن صاحب الأذن العربية يسمع في هذه الصيغة شيئا آخر: يأسا لم يأت فجأة، بل تراكم، وبلغ نهايته بعد محاولات وانتظار ومراجع، صيغة الفعل نفسها تقول هذا، دون حاجة إلى شرح.

    في الإنجليزية، يمكن ترجمة الكلمة إلى despaired أو lost hope. المعنى صحيح، لكن الإحساس مفقود؛ و كأننا نقلنا الخبر، وتركنا التجربة وراءنا.

    «خلصوا»… أكثر من مجرد حركة

    ثم تأتي كلمة «خلصوا».
    في القاموس: ابتعدوا، انفصلوا.
    لكن في العربية، الخلوص ليس حركة جسدية فقط، بل انسحاب نفسي. خروج من الضجيج إلى دائرة داخلية، حيث يفكر بصوت منخفض، وتتخذ القرارات الثقيلة.

    حين أشرح هذا للطالب، ألاحظ لحظة تردد:
    هو يفهم ما أقول، لكنه لا يستطيع أن يشعر به بالطريقة نفسها، وهنا تبدأ الأسئلة الحقيقية.

    كلمة واحدة… ونفوس متعددة

    أما كلمة «نجيًّا»، فهي أكثر ما يربك التفكير الميكانيكي.
    مفرد يدل على جماعة، هل هو خطأ نحوي؟
    لا؛ بل اختيار مقصود.

    العربية هنا لا تعد الأشخاص، بل تصف حالتهم:
    كأنهم نفس واحدة، هم واحد، سر واحد.

    حين يبحث الطالب عن مقابل إنجليزي، يجد: secretly، in private.
    كلمات تؤدي الوظيفة، لكنها لا ترسم الصورة. تشرح، ولا تشعر، وتعجز عن الوصول إلى الإحساس بالقيمة الجمالية المتعالية في اللغة العربية القرآنية.

    ماذا أريد من الطالب إذن؟

    لا أريده أن يتذوق الآية كما يتذوقها العربي؛ فهذا وهم.
    ولا أريده أن يحفظ تفسيرا إنشائيا.

    ما أريده هو أن يصل إلى هذه الجملة البسيطة:

    أفهم المعنى، لكنني لا أشعر به بالطريقة نفسها.

    هذه الجملة ليست فشلا في التعلم، بل بداية وعي لغوي حقيقي.
    وعي بأن اللغة ليست قاموسا فقط، وأن بعض النصوص – وعلى رأسها القرآن – لا تفهم كاملة إلا من داخل لغتها.

    الترجمة ليست المشكلة

    كثيرا ما نحمل الترجمة ذنب هذا العجز، لكن الحقيقة أعمق من ذلك.
    الترجمة تؤدي دورها: تنقل المعنى العام، وتقرب الفكرة.
    لكنها لا تستطيع نقل الأثر، ولا إعادة إنتاج الذوق.

    وهنا، بالضبط، يظهر وجه من وجوه الإعجاز اللغوي في القرآن:
    أنه نص يمكن شرحه، لكن لا يمكن استبداله.

    كلما عدت إلى هذه الآية، أدركت أن إعجازها لا يكمن في غرابة ألفاظها، بل في قدرتها على ضغط مشهد إنساني كامل في كلمات قليلة، وفي تذكيرنا بأن بعض المعاني تفهم بالعقل، لكن لا تعاش إلا بلغة واحدة.

    ولهذا، ستظل الترجمة بابا للفهم، لكن العربية وحدها هي باب التذوق.

  • أين الفاعل في «يُعجبني»؟

    درس لغوي من سؤال طالب

    خلال أحد دروسي عن بعد في تعليم العربية للناطقين بغيرها، توقفت فجأة عند سؤال لم أكن أتوقعه، رغم بساطته الظاهرة. كنا نتحدث عن الأفعال في العربية، فقلت عرضا: «يُعجبني هذا الأسلوب». رفع أحد الطلاب يده وسألني:
    «هذا فعل مضارع، فأين الفاعل؟ ولماذا تقدّم المفعول؟»

    ترددت لحظة. ليس لأن الجواب غائب، بل لأن الجواب النحوي وحده لا يكفي.

    كلمة واحدة… ومشهد كامل

    نحن – أهل العربية – نقول يُعجبني دون أن نفكر كثيرا في تركيبها. لكن هذه الكلمة الصغيرة تحمل مشهدا كاملا: إعجاب يحدث، ثم يصل إلينا. لسنا نحن من “نُنتج” الإعجاب بقدر ما نقع تحت أثره، وتأثيره.

    ولهذا، لا تبدأ الجملة بـ«أنا»، بل تنتهي بها.

    لماذا يتأخر الفاعل؟

    نحوا، الأمر واضح:

    الفعل رباعي من أعجب يعجب إعجابا…
    يُعجبُ فعل، وني مفعول به، والفاعل يأتي متأخرا:
    يُعجبني هذا الكتاب.

    لكن دلاليا، العربية تختار زاوية مختلفة عن لغات كثيرة أخرى. فهي لا تسأل أولا: من فعل؟ بل تسأل: ماذا حدث؟ وعلى من وقع؟

    ولهذا نجد أفعالا كثيرة تسير على هذا النسق:

    • آلمني الخبر
    • أدهشني الموقف
    • أسعدني لقاؤك

    في كل هذه الجمل، الإنسان يتلقى الشعور، ولا يصنعه.

    مأزق الترجمة

    حين حاولت شرح يُعجبني بالإنجليزية، وقعت في ورطة لطيفة. هل أقول:

    I like؟

    أم I admire؟

    أم I find it appealing؟

    كل اختيار صحيح جزئيا، لكنه يضيق المعنى، لأن العربية هنا لا تُلزمك بتحديد درجة الإعجاب ولا نوعه؛ إنها تترك المعنى مكثفا، مفتوحا، يعتمد على السياق والنبرة.

    الترجمة لا تخطئ، لكنها تضطر إلى الشرح، بينما العربية تكتفي بالإشارة.

    من درس اللغة إلى النص القرآني

    هذا الأسلوب في التعبير لا يقتصر على الكلام اليومي، بل نجده حاضرا بقوة في القرآن الكريم، حيث يصور الإنسان في كثير من المواضع متلقيا للأثر لا مركزا للفعل، كما في قوله تعالى:

    ﴿{يَوْمَ لَا يَنفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ} [الروم: 52]﴾

    الحدث يقع، والأثر يظهر، واللغة تصوغ ذلك بأقل عدد ممكن من الكلمات، دون أن تفقد عمق الصورة.

    ماذا علمني سؤال الطالب؟

    علمني أن اللغة ليست قواعد فحسب، بل طريقة لرؤية العالم، وأن سؤالا بسيطا مثل: «أين الفاعل؟» قد يخفي وراءه سؤالا أعمق:
    من الذي تقف اللغة في صفه؟ الفاعل أم التجربة؟

    أخيرا أقول: ليست المشكلة في يُعجبني أنها تخالف القاعدة التركيبية التي تعود عليها الطالب، بل إنها تكشف عن قاعدة أوسع:
    العربية، في لحظات الشعور والتأثر، تقدم ما يقع في النفس على من أحدثه.

    وحين نضطر في الترجمة إلى إطالة ما اختصرته العربية، ندرك أن بعض المعاني لا تنقل كاملة، لأنها ليست معنى فقط، بل طريقة في القول.

    توقيع الزهراوي.  يوم: 18/12/2025 الذي يصادف ذكرى اليوم العالمي للغة العربية.

  • الإعجاز اللغوي في القرآن الكريم وسؤال الترجمة

    مدخل شخصي – لغوي

    لم يأت انشغالي بسؤال الإعجاز اللغوي في القرآن الكريم من فراغٍ نظري، ولا من تأمل مكتبي محض، بل تشكل تدريجيا أثناء تجربتي في تعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها عن بعد، حين وجدتني مرارا في مواجهة سؤال عملي بسيط في ظاهره، عميق في أثره:
    كيف أقول هذا بالعربية؟ وكيف يمكن ألّا يقال بغيرها؟

    في أثناء الشرح، وخصوصا عند الانتقال من العربية إلى الإنجليزية أو الهولندية أو الفرنسية، كنت ألاحظ أن بعض التراكيب العربية – ولا سيما تلك التي تقوم على صور المجاز وشدّة الإيجاز، فتقاوم النقل مقاومة صامتة؛ كلمة واحدة في العربية كانت تتطلب شرحا، أو جملة كاملة، أو اختيارا قلقا بين احتمالات دلالية متجاورة في اللغة الأخرى. ولم يكن هذا العجز ناتجا عن ضعف في أدوات الترجمة التي أصبحت متاحة أكثر مع التقدم التقني ثورة الذكاء الصناعي، بقدر ما كان كاشفا عن طبيعة خاصة للغة العربية حين تبلغ أقصى طاقتها التصويرية.

    هذا الإحساس يتضاعف حين يكون النص قرآنيا. فالصورة القرآنية لا تقوم على التخييل وحده، بل على ضغط المعنى في بنية لغوية قصيرة، حيث تتواطأ الأصوات، والتركيب، والإيقاع، والإيحاء، لتشكل معنى لا يمكن فصله عن صورته اللفظية، وعند محاولة نقل هذا كله إلى لغة أخرى، لا يضيع المعنى تماما، لكنه يتمدد، ويفقد حدته، وتبهت صورته، فنصبح وكأننا نعرض مشهدا عالي الدقة بعد تكبيره خارج إطاره الطبيعي.

    ومن هنا بدأ يتبلور السؤال الذي يقف خلف هذا المشروع:
    هل عجز الترجمة عن نقل بعض الصور اللغوية القرآنية عجز تقني، أم أنه دليل على أن المعنى في القرآن ليس سابقا على اللغة، بل متشكلا وملتبسا بها؟

    لقد أدركت، من خلال تفاعلي مع المتعلمين غير العرب، أثناء تدريس اللغة العربية أن الترجمة لا تفشل دائما لأنها خاطئة، بل لأنها مضطرة إلى الاختيار، في حين أن اللفظ القرآني يجمع ما لا يجتمع في لغة أخرى: الإيجاز والتكثيف، الصورة والحكم، الإيحاء والتقرير. وهذا ما يجعل الترجمة – مهما بلغت دقتها – مرآة ناقصة، لكنها صادقة في إظهار حدودها.

    حتى وإن تم الاستعانة بأفضل المعاجم والقواميس ك: [هانزوير] أو [إشتال] وغيرهما …

    هذا المشروع ليس دفاعا عن اللغة العربية بدافع الهوية، ولا مطالبة بامتياز ثقافي، بل محاولة لفهم ما يحدث حين يبلغ النص ذروة اندماج المعنى باللغة. وسيحاول، عبر تأملات لغوية وتجارب ترجمية حية، الوقوف عند مواضيع مع بعض الآيات في القرآن الكريم، لا لإثبات استحالة الترجمة، بل لفهم ما تكشفه هذه الاستحالة عن طبيعة الإعجاز اللغوي نفسه.

    في اليوم العالمي للغة العربية، يأتي هذا المشروع بوصفه شهادة تجربة قبل أن يكون أطروحة، وسؤال تعليم قبل أن يكون تقريرا نظريا:
    ماذا نفقد حين نطيل ما اختصره القرآن؟ وماذا نتعلم من هذا الفقد؟

    توقيع: الزهراوي

  • موسى الشامي ومسؤولية المثقف تجاه اللغة في مغرب التعدد

    حين تنتصر العربية بالاختيار لا بالوراثة

    ليس الدفاع عن اللغة العربية دائما ثمرة انتماء لغوي جاهز، ولا نتيجة رد فعل عاطفي تجاه لغات أخرى. أحيانا يكون هذا الدفاع اختيارا واعيا، نابعا من معرفة عميقة بتعقيدات المشهد اللغوي، ومن إحساس أخلاقي بمسؤولية المثقف تجاه مجتمعه. في هذا السياق، يبرز اسم الأستاذ موسى الشامي، رحمه الله، بوصفه أحد النماذج الدالة في المغرب المعاصر.

    تكون موسى الشامي في مسار فرنكفوني، حيث حصل على الإجازة في الأدب الفرنسي، ثم نال الدكتوراه في اللسانيات التطبيقية بكندا. وقد منحته هذه الخلفية أدوات تحليل دقيقة لفهم اللغة بوصفها نسقا اجتماعيا ووظيفيا، لا مجرد وسيلة تواصل أو رمز هوياتي. لذلك لم تتحول الفرنكفونية لديه إلى قطيعة مع العربية، بل إلى أفق معرفي لفهم موقعها وتحدياتها داخل مجتمع متعدد اللغات.

    اختار الشامي أن ينتصر للغة العربية عن قناعة علمية لا عن وراثة ثقافية. كان يرى فيها لغة وطنية جامعة، لا يمكن تهميشها في التعليم والمعرفة دون أن ينعكس ذلك سلبا على العدالة اللغوية وتكافؤ الفرص. ومن هذا المنطلق، ارتبط دفاعه عن العربية بإصلاح المدرسة والجامعة، وبنقد السياسات اللغوية التي تكرس الازدواجية غير المتوازنة.

    في تجربته الجامعية أستاذا للتعليم العالي بكلية علوم التربية، جامعة محمد الخامس بالرباط، ربط بين البحث اللساني وأسئلة التربية والتكوين. ولم يكن حضوره الأكاديمي معزولا عن الشأن العام، بل امتدادا لمشروع فكري يرى في اللغة قضية مجتمعية بامتياز.

    ويعد كتابه «آراء حول الوضع اللغوي بالمغرب» (2020) من أبرز أعماله، إذ قدم فيه قراءة نقدية هادئة للمشهد اللغوي الوطني، بعيدة عن الخطاب الانفعالي أو الإقصائي. فقد دافع عن العربية من موقع الخبير الذي يعرف إمكاناتها، كما يعرف حدودها، ويؤمن بأن النهوض بها يمر عبر التخطيط اللغوي الرصين وجودة التعليم.

    أما على المستوى الجمعوي، فقد أسس وترأس الجمعية المغربية لحماية اللغة العربية، واضعا الدفاع عنها ضمن أفق مدني ومؤسساتي. غير أن محطته الأخيرة قبل وفاته كانت ذات دلالة رمزية قوية، حين ساهم في تأسيس الجمعية المغربية الفرانكفونية من أجل اللغة العربية. وهي مبادرة تختصر مساره كله، وتفكك وهم التعارض بين الانفتاح اللغوي والوفاء للعربية.

    لقد قدم موسى الشامي مثالا لمثقف مغربي رفض الثنائيات السطحية من قبيل: عربي/فرنسي أو أصالة/حداثة. آمن بأن التعدد اللغوي ثراء حقيقي، لكنه لا يتحقق إلا حين يكون منصفا ومتوازنا، وحين تحترم اللغة الوطنية داخل المدرسة والجامعة والفضاء العام.

    برحيله، فقد المغرب صوتا عقلانيا في نقاش لغوي كثيرا ما يطغى عليه التشنج. غير أن أثره سيظل حاضرا في كتبه، ومواقفه، وفي الدرس الذي تركه لنا: أن الدفاع عن العربية لا يحتاج إلى ضجيج، بل إلى علم، وهدوء، وإيمان عميق بالمسؤولية.

    رحم الله موسى الشامي، وجعل ما قدمه للغة العربية في ميزان حسناته آمين.

  • نقص القادرين على التمام أكبر عائق أمام التطور الشخصي

    من بين مئات الأبيات التي قالها المتنبي، يظل هذا البيت قادرًا على لمس منطقة حساسة في داخل كل واحد منا—منطقة يعرف الجميع أنهم أخفقوا فيها يومًا ما:

    ولم أرَ في عيوبِ الناسِ شيئًا
    كنقصِ القادرينَ على التمامِ

    ليس مجرد نقد أدبي أو أخلاقي، بل توصيف دقيق لواحد من أخطر العوائق التي تتسلل إلى حياة من يطمحون للتطور: أن يملك الإنسان القدرة… ثم يتقاعس. أو يبدأ… ثم يتوقف. أو يحلم… ولا يُتم.

    في هذا المقال أقرأ البيت من زاوية التنمية الذاتية، كرسالة تحفيزية للفرد الذي يريد أن يصنع لنفسه أثرًا، ويستعيد يقين القدرة حين تتزاحم عليه مسؤوليات الحياة.


    القدرة نعمة… لكنها مسؤولية أكبر

    حين يتحدث المتنبي عن “القادرين”، فهو يوجّه رسالة مؤلمة ومباشرة: القدرة وحدها ليست كافية.
    فالقادر، حين يتوقف أو يتراخى، لا يخسر فقط إنجازه، بل يخسر ما يميّزه.

    والواقع أننا جميعًا نملك قدرات لا نستثمر منها إلا القليل.
    نمتلك الموهبة، ونعرف الطريق، ولدينا الأدوات، ثم نترك شيئًا في داخلنا يقول: “لاحقًا… ليس الآن.”

    القدرة بلا إتمام تشبه بئرًا مليئًا بالماء لا يشرب منه أحد.


    لماذا نتوقف رغم قدرتنا؟

    ليس السبب دائمًا الكسل؛ أحيانًا الظروف أقوى، والوقت أصعب، والمسؤوليات أكبر.
    ومع ذلك، يبقى إكمال العمل هو المعيار الحقيقي للجدية.

    بين بداية الطريق ونهايته مسافة لا يقطعها إلا من يقرر ذلك، لا من ينتظر ظروفًا مثالية لن تأتي أبدًا.


    الإتمام… نصف النجاح وربما كله

    كثيرون يبدأون، قليلون يتمّون.
    والإنجاز الحقيقي لا يسأل: “ماذا بدأت؟”
    بل: “ماذا أنهيت؟”

    الإتمام ليس مجرد خطوة أخيرة؛ إنه إعلان عن:

    • قوة الإرادة
    • تناغم العقل مع العمل
    • نضج الشخصية
    • احترام الذات

    كيف تتجاوز هذا العيب وتبدأ بالإتمام؟

    1. اجعل أهدافك صغيرة وقابلة للقياس
      الطريق الطويل يُهزم بالتجزئة.
    2. اكتب التزامًا واضحًا لنفسك
      وعدٌ صريح يذكّرك بأنك قادر.
    3. لا تنتظر المثالية
      الإتمام الجيد أفضل من المثالية المؤجلة.
    4. كوّن روتينًا ثابتًا، حتى لو كان بسيطًا
      الخطوات الصغيرة اليومية تبني مشاريع كبيرة.
    5. واجه نفسك بصدق:
      هل هذا أقصى ما أستطيع… أم أقل؟

    تجربتي مع إتمام أطروحة الدكتوراه

    حين أتأمل بيت المتنبي، أجد أن أكثر لحظة تجلّى فيها هذا المعنى في حياتي كانت أثناء عملي على إعداد أطروحة الدكتوراه.
    لم يكن الطريق سهلاً، ولم تكن الظروف مثالية. كنت أتقاسم وقتي بين مسؤوليات أسرية ضاغطة، وأعباء مهنية لا تنتظر، والتزامات اجتماعية لا يمكن تجاهلها.
    كانت هناك أيام شعرت فيها أن المشروع أكبر من قدرتي، وأن الزمن أقل مما أحتاج. ومع ذلك، كان في داخلي صوت يذكّرني كل مرة:
    إن كنت قادرًا… فلماذا لا تُتم؟

    فحوّلت تلك الفكرة إلى عادة ثابتة، ساعة يوميًا مهما حدث، صفحة واحدة ولو كنت مرهقًا، مراجعة صغيرة ولو بعد يوم طويل.
    ومع تراكم الأيام، اتّسعت الخطوات الصغيرة، وكبرت الفصول، واكتمل العمل.
    وفي وقت قياسي لم أتوقعه أنا نفسي، ناقشت الأطروحة، وخرجت منها بشعور لم يهبني إياه أي إنجاز آخر: إنهاء ما بدأت… رغم كل الإكراهات. لقد تعلّمت من تلك التجربة أن الإتمام قوة، وأن القدرة بلا تنفيذ مجرد احتمال غير مستثمر.
    وأن أجمل انتصار يعيشه الإنسان هو انتصاره على فكرة التراجع، على الأعذار، على الزمن، وعلى نفسه حين تميل إلى التأجيل.

  • «كيف ننقذ العربية من الفجوة اللغوية؟ الحقيقة بين الفصحى المعيارية والفصحى المحكية

    تتّسع في السنوات الأخيرة الفجوة بين الفصحى المعيارية—لغة الكتب والوثائق الرسمية—وما يمكن تسميته بـ الفصحى المحكية أو الفصحى المبسّطة التي نسمعها في الإعلام والمنصّات الرقمية. ولم يعد هذا التباعد مجرد ظاهرة لغوية عابرة، بل بات همًّا لغويًا حقيقيًا يضع العربية أمام سؤال جوهري:
    هل يمكن أن تكون لغة للحياة اليومية دون أن تفقد أصالتها؟
    وهل نحتاج فعلًا إلى طبقة وسيطة تُقرّب بين الفصحى الرفيعة ولغة الناس؟

    في هذا المقال نناقش جذور هذا الإشكال، وواقعه، وحلولَه الممكنة، مع أمثلة توضّح الصورة.

    أولا: طبقات اللغة العربية اليوم

    1. الفصحى المعيارية

    هي اللغة المكتوبة الرفيعة:

    • لغة الكتب المدرسية
    • لغة الأبحاث الجامعية
    • لغة الخطب الرسمية

    تتميز بالدقة، وبالتراكيب الطويلة، وبمفردات قد تبدو بعيدة عن التداول.

    مثال:
    “تتجلّى إشكالية الخطاب المعرفي المعاصر في انفصاله عن المرجعيات التداولية للمجتمع.”

    2. الفصحى المحكية أو المبسّطة

    هي الفصحى المتداولة في الإعلام والنقاشات الثقافية:

    • تراكيب قصيرة ومباشرة
    • مفردات أكثر ألفة
    • تساهل محدود في الإعراب الشفهي

    مثال:
    “نواجه اليوم مشكلة في وصول المعرفة إلى الناس لأن اللغة في الكتب صعبة عليهم.”

    3. العامية

    لغة الحياة اليومية، تختلف من بلد لآخر، غنية بالتعابير، لكنها غير جامعة للناطقين بالعربية.

    مثال:
    “الكتب صارت صعبة علينا!”


    ثانيا: أسباب اتساع الفجوة بين الفصحى ولغة الناس

    1. تناقض البيئات اللغوية

    الطفل يعيش في ثلاث لغات:
    لغة البيت (عامية)، ولغة المدرسة (فصحى معيارية)، ولغة الإعلام (فصحى مبسّطة).
    هذا التشتّت يضعف العلاقة بالفصحى المدرسية.

    2. تسارع الحياة المعاصرة

    الإيقاع السريع يفرض لغة مباشرة وسهلة، فيقلّ استخدام الأسلوب المعياري.

    3. اللغة في التعليم الرسمي

    تُكتب الكتب المدرسية بلغة أثقل مما ينبغي، فيَنفِر المتعلم من الفصحى نفسها.

    4. غياب مشروع لغوي موحد

    لا اتفاق عربي واضح حول كيفية تعليم الفصحى أو توظيفها في الإعلام، مما يزيد الفوضى اللغوية.


    ثالثا: ما معنى “الطبقة اللغوية الوسيطة”؟

    ليست لغة جديدة، بل فصحى سليمة مبسّطة تناسب الكلام والكتابة اليومية دون أن تهبط إلى العامية أو تتقيد بأساليب الفصحى المعيارية الثقيلة.

    خصائصها:

    • جمل قصيرة وواضحة
    • مفردات فصيحة مألوفة
    • تخفيف التشدّد الإعرابي في الكلام الشفهي
    • الابتعاد عن التكلف البلاغي
    • الحفاظ على هوية الفصحى وموسيقاها

    رابعا: تجارب لغات أخرى – مثال من اللغة الهولندية

    تقدّم الهولندية مثالًا مهمًا لإدارة التنوّع اللغوي دون صراع:

    الهولندية الرسمية (Standardnederlands)

    لغة التعليم، الكتب، النشرات الرسمية والخطب.

    الهولندية اليومية أو الوسطى (Tussentaal / omgangstaal)

    • لغة وسطى منتشرة في شمال بلجيكا وهولندا
    • مبسطة في التراكيب
    • أكثر حيوية في الاستعمال
    • يُستخدم جزء كبير منها في الإعلام

    اللهجات المحلية (Dialekten)

    لهجات مختلفة تعيش بتناغم مع اللغة الرسمية دون إقصاء.

    الخلاصة:
    النظام الهولندي يشرعن التنوع اللغوي ويجعل كل مستوى يخدم غرضا محددا.
    وهذا أحد أسرار حضور الهولندية في الحياة اليومية دون صدام بين مستوياتها.


    خامسا: هل الطبقة الوسيطة حل فعلي؟

    فوائد محتملة:

    • جعل العربية أقرب وأسهل للمتحدثين الجدد
    • تحسين الفهم والقراءة لدى الطلاب
    • تقليل الفجوة بين لغة الكتب ولغة الإعلام
    • تعزيز حضور الفصحى في الحياة اليومية

    مخاطر محتملة:

    • احتمال انزلاق الفصحى المبسطة نحو العامية
    • ضعف التمسك بالفصحى المعيارية
    • تعقيد المشهد اللغوي إذا لم تنظم العملية

    سادسا: – أين يكمن الحل الحقيقي؟

    المشكلة ليست في الفصحى، بل في طريقة تدريسها وتداولها.
    الفصحى قادرة على مواكبة العصر، لكننا نحمّلها أحيانًا أساليب متخشبة تُبعد الناس عنها.

    مقترحات عملية:

    1. إعادة كتابة الكتب المدرسية بلغة فصيحة واضحة
    2. تشجيع الإعلام على استعمال فصحى مبسّطة وصحيحة
    3. تعليم اللغة عبر الاستعمال، لا عبر الجداول والإعراب وحده
    4. إبراز جماليات الفصحى الحقيقية بدل الاهتمام بالشكل على حساب المعنى

    أمثلة مقارنة بين المعياري والمبسط

    مثال 1

    صياغة معيارية:

    “إن تراجع المهارات القرائية لدى الطلاب يعود إلى عوامل بنيوية متراكبة، في مقدمتها ضعف المناهج التعليمية.”

    صياغة مبسطة:

    “تراجع مهارات القراءة عند الطلاب سببه عوامل كثيرة، أهمها ضعف المناهج.”

    مثال 2

    صياغة معيارية:

    “لقد أصبح الانفصال بين اللغة المتداولة وبين اللغة التعليمية قضية تُقلق المختصين في الشأن اللغوي.”

    صياغة مبسطة:

    “صار الفرق بين لغة الناس ولغة التعليم مشكلة تقلق خبراء اللغة.”

    لا يمكن أن تبعث العربية من جديد بتقديسها حتى التخشب، ولا بتركها حتى تذوب في العاميات، بل بإعادتها للناس لغة سهلة، حية، واضحة، وأصيلة.
    لسنا بحاجة إلى هدم الفصحى ولا إلى خلق لغة هجينة، بل إلى تفعيل الفصحى المبسّطة لتكون لغة المدرسة والإعلام والمجتمع.

    وهكذا تعود العربية لغة للحياة، لا لغة للمنابر والكتب فقط.

  • للغة العربية قرآن يحميها، ولا حاجة للأيام العالمية أو الإ…

    للغة العربية قرآن يحميها، ولا حاجة للأيام العالمية أو الإقليمية…

  • الحياء اللغوي المفقود

    الكلمة عنوان صاحبها، واللسان مرآة القلب، وذلك هو ما يعكس القيم والأخلاق المجتمعية التي أخذت تتهاوى في مجالس الناس اليوم، حتى غدا سيل الألفاظ النابية يندس في الأذن كما يندس الغبار في الهواء؛ خفيا أول الأمر، ثم ما يلبث أن يتحول إلى عاصفة تهدد صفاء الروح وسكينة البيوت.

    لقد أضحى المرء يسمع في الطريق، وفي المجالس، بل وربما في داره عبر نوافذ مفتوحة على الشارع، كلمات ما كان يسمح لها يوما أن تتخطى الشفاه حياء أو أدبا أو خوفا من نظرة مستنكر أو عاتب.

    وهذا الانحدار الأخلاقي ليس حدثا عابرا، بل هو مؤشر خطير على ما قد تفضي إليه موجات التطبيع مع الدناءة اللفظية من تآكل للضمير الجمعي. فالكلمة النابية ليست مجرد صوت يطلق، بل هي سهم ينغرس في الوجدان، يشوه الذوق العام، ويعتاد به السامع ما ليس من الفطرة السليمة في شيء، فإن اعتاد الناس القبح في القول، ألفوا القبح في الفعل، وتساوى في ميزانهم الشريف والوضيع، والصالح والطالح، وانفرط العقد الذي تنتظم به حياة المجتمعات.

    إن الأخلاق إذا تردت تردى معها كل شيء: تضعف الهيبة، وتخفت المروءة، ويهدر الاحترام المتبادل الذي هو عماد التعايش، وقد علمتنا التجارب أن الأمم لا تنهض بثراء أرضها، ولا بسعة عمرانها، ولكن بسموّ أخلاق أفرادها؛ فإذا تخلخلت هذه القاعدة اهتز بنيان المجتمع وإن بدا ظاهره مزدهرا قويا.

    ومن الواجب اليوم أن يستعاد الاعتبار للكلمة، فهي سفيرة الفكر، ورسول التربية، وميزان رقي الإنسان؛ إذ لا بد من أن ينهض الآباء والمربون والمعلمون بأدوارهم في غرس الحياء اللغوي في نفوس الناشئة، وقبل ذلك عليهم أولا أن يتخلصوا مما علق بألسنتهم مما لا يقبل من الكلام الفاحش، وأن يعاد تشكيل الذائقة الجمعية بحيث تستنكر القبح وتستحي منه، وتقف في وجهه لا بحدة أو صدام، ولكن بحكمة ولطف وصبر جميل.

    فليكن لكل واحد منا حارس على لسانه، وليعلم أن في كل كلمة خبيثة أثرا قد يبقى بعده زمنا، كما أن المجتمع الذي يقدس الكلمة الحسنة لا يخشى عليه من الانهيار، لأنه يحفظ بذلك جوهر إنسانيته، ويصون قيمه من التردي والانحلال.

    وما أحوجنا اليوم إلى أن نسترد بريق الكلمة الطيبة، وأن نعيد إلى المجالس وقارها، سواء كانت تلك المجالس ذات طابع رسمي أو غير رسمي، كي تعود إلى البيوت سكينتها، وإلى الشوارع احترامها. فالأخلاق ليست زينة اختيارية نتجمل بها متى نشاء، بل هي الصراط الذي إن انحرفنا عنه ضللنا الطريق كله، وإن تمسكنا به أضاء لنا دروب الحياة، ورفعنا في عين الله والناس.

  • حين يختنق الحرف… مأساة أستاذ البلاغة في زمن التعثرات اللغوية

    الأستاذ يدخل قسمه كل صباح كما يدخل العاشق معبده؛ يحمل بين يديه نور البلاغة، وفي قلبه يقين بأن العربية لا تزال قادرة على أن تورق وتزهر مهما جفت الحقول، إلا أنه ما إن يفتح دفاتر تلامذته، أو يطلع على ما يكتبون حتى يتبدد ذلك اليقين كغمامة خفيفة، وينحدر إلى نفسه شعور بالخذلان لا يجارى، فهؤلاء الذين بلغوا عتبة الثانوي التأهيلي، ما زال كثير منهم لا يفرق بين اللام الشمسية واللام القمرية، ولا يدركون من الإعراب إلا اسمه الذي يكرهونه للأسف الشديد،  ولا من قواعد العربية إلا شبحا يمر أمام أعينهم مرورا ضبابيا عابرا.

    كان يرقب كلماتهم وهي تتعثر على الورق كما يتعثر غريب في طريق لم يألفه؛ حروف تائهة، وجمل مكسورة، ومعان تذبح قبل أن تولد، وكلما حاول أن يفتح لهم بابا إلى عالم البلاغة، وجد نفسه يعود إلى أبجديات كان ينبغي أن تحسم منذ سنوات… كيف يشرح لهم الفرق بين التشبيه البليغ والمؤكد والمرسل، بل كيف يوضح لهم جمال الاستعارة، وهم لا يحسنون بناء جملة فصيحة؟ كيف يحدثهم عن دهشة المجاز، وهم بعد لم يملكوا مفاتيح اللغة التي تتيح لهم أن يعقلوا ما وراء الكلمات؟

     في قلبه وجع مكتوم؛ وجع على لغة تنتهك بلا قصد، وتهمل بلا وعي، حتى غدت كطائرٍ مجروح يحاول الطيران بجناح مكسور. يرى العربية تداس بأخطاء صغيرة، لكنها في مجموعها تصيب روحها في مقتل، فيشعر أن نياط قلبه تقطع حسرة على ما آل إليه حال جيل يفترض أن يكون وارثا لضياء هذه اللغة لا شاهدا على انطفائها.

    ومع ذلك، فهو لا يريد أن يكون جزءا من هذه الكارثة الصامتة؛ يرفض أن يقف موقف المتفرج، أو أن يسلم للواقع بانحداره؛ يؤمن أن دوره أبعد من أن يشرح درسا، أو أن يصحح ورقة فرض كتاب محروس بأخطاء فادحة وفاضحة لمنظومة تخلت عن دور غرس العلم والمعرفة في عقول الأجيال في مقابل نسبة عدد الناجحين التائهين؛ أو أن يكتب علامة في دفتر أو ما يشبه الدفتر. كان يرى نفسه جزءا من حل يليق بالعربية: حل يعيد إليها مكانتها في القلوب قبل العقول، ويوقظ في طلابه ذلك الومض القديم الذي عرفته الأمة يوم كانت الكلمة سلاحها، والبيان تاجها، والفصاحة صراطها المستقيم.

    ولذلك ظل يمضي في طريقه بإصرار هادئ؛ يصلح ما استطاع، ويرأب ما انكسر، ويزرع في كل درس بذرة أمل، كان يؤمن أن اللغة التي حفظت تاريخ أمة بأكملها قادرة على أن تشفى من جراحها، إن وجدت من يرعاها بحب صادق، وصبر طويل، وإرادة لا تستدرج إلى اليأس.

    وهكذا بقي واقفا، كحارس للضوء في زمن كثرت فيه العتمات، يردد في سره: إن العربية لن تموت ما دام في الأمة من ينهض بها… ولو من قلب فصل منهك.