من لطائف التراث الثقافي العربي ما يحكى عن الأصمعي حين سأل أعرابيا: “أتَهمِزُ إسرائيل؟”، فرد الأعرابي بفطرة سليمة وفصاحة نابعة من السليقة: “إني إذن لرجلُ سوء!”، فلما سأله: “أفتَجُرُّ فلسطين؟”، أجاب بلا تردد: “إني إذن لقوي!”.
تُستحضر هذه الطريقة اللطيفة في التناص اللغوي لا للإسقاط التاريخي، بل للتأمل في سطوة “اللسان” حين يعتلي منصات الخطاب الرسمي، فاللغة ليست مجرد حركات سكنات يُستغنى عن ضبطها، بل هي المِرآة التي تعكس دقة المعنى وعمق الدلالة؛ وحين تختفي الهمزات من نص الخطاب، أو تتوارى المخارج الصحيحة للحروف، تتحول الألفاظ من دلالاتها الراسخة إلى معانٍ أخرى تماماً… فتغدو “الهوية” البانية، بفعل سقطة لسان أو سهو في التعبير، مجرد “هاوية” سحيقة!
إن خطورة المنبر التربوي والثقافي -خاصة حين يُمثّل أعلى المراتب التنفيذية- تتطلب حرصاً مضاعفاً على صيانة قواعد السليقة اللغوية. فالتهاون في نطق الحروف وتغيير بِنْيتها ليس مجرد خطأ نحويّ عابر، بل هو تشويهٌ للرسالة وتشتيتٌ للمُتلقّي عن جوهر الفكرة إلى هامش الأداء.
اللغة العربية ليست مجرد أداة للتواصل الإداري، بل هي جزء لا يتجزأ من هيبتنا الفكرية والحضارية، وكما لم يرتضِ الأعرابي قدماً أن يتلاعب بجرّ المسميات ولا بكسر مبانيها، فإن الألسنة الرسمية اليوم مُطالبةٌ بأن تدرك أن كلمة واحدة يسقط منها ضَبْطُها، قد تهوي بالمعنى كلّه إلى مكان سحيق.
اترك تعليقًا