في لحظة ثقافية لافتة، ومع اقتراب فعاليات المعرض الدولي للنشر والكتاب بالرباط، صدر عمل جديد للباحث المغربي عبد العلي الودغيري بعنوان “العربية الدارجة بالمغرب: قاموس تأصيلي وتأثيلي ومقدمة دراسية“. وليس هذا الإصدار مجرد إضافة إلى حقل المعجمية، بل هو مدخل لإعادة طرح أسئلة قديمة بصيغة جديدة: ماذا يعني أن تتحول الدارجة من كلام يومي إلى مادة موثقة داخل معجم؟
لقد استقر في الوعي اللغوي التقليدي أن الدارجة مستوى أدنى من الفصحى، تستعمل للتواصل السريع، بينما تحتفظ الفصحى بوظائف التعبير الفكري والكتابي. غير أن إدخال الدارجة إلى فضاء المعجم يربك هذا التصور، ويمنحها نوعا من الاعتراف العلمي، حتى وإن كان في إطار الدراسة والتحليل لا التقعيد والترسيم.
إن اختيار مفهومي “التأصيل” و”التأثيل” في عنوان هذا العمل يكشف عن طموح يتجاوز الجمع والتوثيق، نحو تتبع الجذور والمسارات. فالدارجة، من هذا المنظور، ليست انحرافا عن العربية، بل نتيجة تاريخ لغوي معقد، تفاعلت فيه الفصحى مع الأمازيغية ومع تأثيرات ثقافية متعددة. وهي بذلك تعكس، في عمقها، قدرة اللغة على التكيف لا على الانقسام.
غير أن هذا النقاش لا يظل حبيس الدوائر الأكاديمية، بل يجد امتداده في الواقع، وخاصة في تجربة أبناء الجالية المغربية في أوروبا. في العمل مع بعض هؤلاء الطلبة—من الجيل الذي ولد خارج المغرب—يبرز سؤال متكرر: كيف يمكن تعلم الدارجة؟
هؤلاء لا يقبلون على الدارجة بوصفها بديلا عن الفصحى، بل بوصفها مدخلا إلى شيء أعمق: الإحساس بالانتماء. إنهم يبحثون عن لغة الحديث العائلي، عن كلمات الجدة، عن نبرة لا تدرس في الكتب المدرسية. وهنا تتغير المعادلة: تصبح الدارجة، التي طالما وضعت في هامش التفكير اللغوي، جسرا أوليا نحو الهوية، وربما خطوة تمهيدية نحو اكتشاف الفصحى نفسها.
في هذا السياق، يكتسب توثيق الدارجة في معجم علمي قيمة مضاعفة. فهو لا يخدم الباحثين فقط، بل يمكن أن يشكل أداة مساعدة لهؤلاء المتعلمين الجدد، الذين يتحركون بين لغتين وثقافتين. ومع ذلك، يظل السؤال التربوي قائما: من أين نبدأ؟ هل من الفصحى باعتبارها الأصل، أم من الدارجة باعتبارها الأقرب إلى وجدان المتعلم؟ أم من صيغة تجمع بينهما، تعترف بهذا التداخل بدل أن تنكره؟
لقد أفرز الواقع الرقمي بدوره مستوى لغويا وسيطا، حيث تختلط الفصحى المبسطة بالدارجة، في تعبيرات تعكس دينامية لغوية غير مسبوقة. وفي ظل هذا التحول، لم تعد الحدود بين المستويات اللغوية حادة كما كانت، بل أصبحت أكثر مرونة، وربما أكثر تعبيرا عن واقع الاستعمال.
لعل السؤال الأعمق، إذن، لا يتعلق بمنافسة بين الفصحى والدارجة، بل بطريقة فهمنا للعربية ذاتها. هل نراها نظاما مغلقا ينبغي حمايته من التغيير، أم كائنا حيا يتطور، يحتفظ بجذوره ويعيد تشكيل نفسه عبر الاستعمال؟
ربما تكشف لنا هذه التحولات—من المعجم إلى قاعة الدرس، ومن المغرب إلى أوروبا—أن العربية لا تعيش أزمة بقدر ما تعيش تحولا. تحولا يدعونا لا إلى الاختيار بين مستوياتها، بل إلى فهم العلاقة بينها، بوصفها امتدادا لا قطيعة.
أضف تعليق