موسى الشامي ومسؤولية المثقف تجاه اللغة في مغرب التعدد

حين تنتصر العربية بالاختيار لا بالوراثة

ليس الدفاع عن اللغة العربية دائما ثمرة انتماء لغوي جاهز، ولا نتيجة رد فعل عاطفي تجاه لغات أخرى. أحيانا يكون هذا الدفاع اختيارا واعيا، نابعا من معرفة عميقة بتعقيدات المشهد اللغوي، ومن إحساس أخلاقي بمسؤولية المثقف تجاه مجتمعه. في هذا السياق، يبرز اسم الأستاذ موسى الشامي، رحمه الله، بوصفه أحد النماذج الدالة في المغرب المعاصر.

تكون موسى الشامي في مسار فرنكفوني، حيث حصل على الإجازة في الأدب الفرنسي، ثم نال الدكتوراه في اللسانيات التطبيقية بكندا. وقد منحته هذه الخلفية أدوات تحليل دقيقة لفهم اللغة بوصفها نسقا اجتماعيا ووظيفيا، لا مجرد وسيلة تواصل أو رمز هوياتي. لذلك لم تتحول الفرنكفونية لديه إلى قطيعة مع العربية، بل إلى أفق معرفي لفهم موقعها وتحدياتها داخل مجتمع متعدد اللغات.

اختار الشامي أن ينتصر للغة العربية عن قناعة علمية لا عن وراثة ثقافية. كان يرى فيها لغة وطنية جامعة، لا يمكن تهميشها في التعليم والمعرفة دون أن ينعكس ذلك سلبا على العدالة اللغوية وتكافؤ الفرص. ومن هذا المنطلق، ارتبط دفاعه عن العربية بإصلاح المدرسة والجامعة، وبنقد السياسات اللغوية التي تكرس الازدواجية غير المتوازنة.

في تجربته الجامعية أستاذا للتعليم العالي بكلية علوم التربية، جامعة محمد الخامس بالرباط، ربط بين البحث اللساني وأسئلة التربية والتكوين. ولم يكن حضوره الأكاديمي معزولا عن الشأن العام، بل امتدادا لمشروع فكري يرى في اللغة قضية مجتمعية بامتياز.

ويعد كتابه «آراء حول الوضع اللغوي بالمغرب» (2020) من أبرز أعماله، إذ قدم فيه قراءة نقدية هادئة للمشهد اللغوي الوطني، بعيدة عن الخطاب الانفعالي أو الإقصائي. فقد دافع عن العربية من موقع الخبير الذي يعرف إمكاناتها، كما يعرف حدودها، ويؤمن بأن النهوض بها يمر عبر التخطيط اللغوي الرصين وجودة التعليم.

أما على المستوى الجمعوي، فقد أسس وترأس الجمعية المغربية لحماية اللغة العربية، واضعا الدفاع عنها ضمن أفق مدني ومؤسساتي. غير أن محطته الأخيرة قبل وفاته كانت ذات دلالة رمزية قوية، حين ساهم في تأسيس الجمعية المغربية الفرانكفونية من أجل اللغة العربية. وهي مبادرة تختصر مساره كله، وتفكك وهم التعارض بين الانفتاح اللغوي والوفاء للعربية.

لقد قدم موسى الشامي مثالا لمثقف مغربي رفض الثنائيات السطحية من قبيل: عربي/فرنسي أو أصالة/حداثة. آمن بأن التعدد اللغوي ثراء حقيقي، لكنه لا يتحقق إلا حين يكون منصفا ومتوازنا، وحين تحترم اللغة الوطنية داخل المدرسة والجامعة والفضاء العام.

برحيله، فقد المغرب صوتا عقلانيا في نقاش لغوي كثيرا ما يطغى عليه التشنج. غير أن أثره سيظل حاضرا في كتبه، ومواقفه، وفي الدرس الذي تركه لنا: أن الدفاع عن العربية لا يحتاج إلى ضجيج، بل إلى علم، وهدوء، وإيمان عميق بالمسؤولية.

رحم الله موسى الشامي، وجعل ما قدمه للغة العربية في ميزان حسناته آمين.

التعليقات

ردان على “موسى الشامي ومسؤولية المثقف تجاه اللغة في مغرب التعدد”

اترك رداً على EZZAHRAOUI ABDO إلغاء الرد