نقص القادرين على التمام أكبر عائق أمام التطور الشخصي

من بين مئات الأبيات التي قالها المتنبي، يظل هذا البيت قادرًا على لمس منطقة حساسة في داخل كل واحد منا—منطقة يعرف الجميع أنهم أخفقوا فيها يومًا ما:

ولم أرَ في عيوبِ الناسِ شيئًا
كنقصِ القادرينَ على التمامِ

ليس مجرد نقد أدبي أو أخلاقي، بل توصيف دقيق لواحد من أخطر العوائق التي تتسلل إلى حياة من يطمحون للتطور: أن يملك الإنسان القدرة… ثم يتقاعس. أو يبدأ… ثم يتوقف. أو يحلم… ولا يُتم.

في هذا المقال أقرأ البيت من زاوية التنمية الذاتية، كرسالة تحفيزية للفرد الذي يريد أن يصنع لنفسه أثرًا، ويستعيد يقين القدرة حين تتزاحم عليه مسؤوليات الحياة.


القدرة نعمة… لكنها مسؤولية أكبر

حين يتحدث المتنبي عن “القادرين”، فهو يوجّه رسالة مؤلمة ومباشرة: القدرة وحدها ليست كافية.
فالقادر، حين يتوقف أو يتراخى، لا يخسر فقط إنجازه، بل يخسر ما يميّزه.

والواقع أننا جميعًا نملك قدرات لا نستثمر منها إلا القليل.
نمتلك الموهبة، ونعرف الطريق، ولدينا الأدوات، ثم نترك شيئًا في داخلنا يقول: “لاحقًا… ليس الآن.”

القدرة بلا إتمام تشبه بئرًا مليئًا بالماء لا يشرب منه أحد.


لماذا نتوقف رغم قدرتنا؟

ليس السبب دائمًا الكسل؛ أحيانًا الظروف أقوى، والوقت أصعب، والمسؤوليات أكبر.
ومع ذلك، يبقى إكمال العمل هو المعيار الحقيقي للجدية.

بين بداية الطريق ونهايته مسافة لا يقطعها إلا من يقرر ذلك، لا من ينتظر ظروفًا مثالية لن تأتي أبدًا.


الإتمام… نصف النجاح وربما كله

كثيرون يبدأون، قليلون يتمّون.
والإنجاز الحقيقي لا يسأل: “ماذا بدأت؟”
بل: “ماذا أنهيت؟”

الإتمام ليس مجرد خطوة أخيرة؛ إنه إعلان عن:

  • قوة الإرادة
  • تناغم العقل مع العمل
  • نضج الشخصية
  • احترام الذات

كيف تتجاوز هذا العيب وتبدأ بالإتمام؟

  1. اجعل أهدافك صغيرة وقابلة للقياس
    الطريق الطويل يُهزم بالتجزئة.
  2. اكتب التزامًا واضحًا لنفسك
    وعدٌ صريح يذكّرك بأنك قادر.
  3. لا تنتظر المثالية
    الإتمام الجيد أفضل من المثالية المؤجلة.
  4. كوّن روتينًا ثابتًا، حتى لو كان بسيطًا
    الخطوات الصغيرة اليومية تبني مشاريع كبيرة.
  5. واجه نفسك بصدق:
    هل هذا أقصى ما أستطيع… أم أقل؟

تجربتي مع إتمام أطروحة الدكتوراه

حين أتأمل بيت المتنبي، أجد أن أكثر لحظة تجلّى فيها هذا المعنى في حياتي كانت أثناء عملي على إعداد أطروحة الدكتوراه.
لم يكن الطريق سهلاً، ولم تكن الظروف مثالية. كنت أتقاسم وقتي بين مسؤوليات أسرية ضاغطة، وأعباء مهنية لا تنتظر، والتزامات اجتماعية لا يمكن تجاهلها.
كانت هناك أيام شعرت فيها أن المشروع أكبر من قدرتي، وأن الزمن أقل مما أحتاج. ومع ذلك، كان في داخلي صوت يذكّرني كل مرة:
إن كنت قادرًا… فلماذا لا تُتم؟

فحوّلت تلك الفكرة إلى عادة ثابتة، ساعة يوميًا مهما حدث، صفحة واحدة ولو كنت مرهقًا، مراجعة صغيرة ولو بعد يوم طويل.
ومع تراكم الأيام، اتّسعت الخطوات الصغيرة، وكبرت الفصول، واكتمل العمل.
وفي وقت قياسي لم أتوقعه أنا نفسي، ناقشت الأطروحة، وخرجت منها بشعور لم يهبني إياه أي إنجاز آخر: إنهاء ما بدأت… رغم كل الإكراهات. لقد تعلّمت من تلك التجربة أن الإتمام قوة، وأن القدرة بلا تنفيذ مجرد احتمال غير مستثمر.
وأن أجمل انتصار يعيشه الإنسان هو انتصاره على فكرة التراجع، على الأعذار، على الزمن، وعلى نفسه حين تميل إلى التأجيل.

التعليقات

رد واحد على “نقص القادرين على التمام أكبر عائق أمام التطور الشخصي”

اترك رداً على EZZAHRAOUI ABDO إلغاء الرد