تحتل اللغة العربية مكانة مركزية في الهوية الثقافية للمغرب، وقد حظيت باعتراف دستوري صريح يجعلها اللغة الرسمية الأولى للدولة، ويلزم مؤسساتها باعتمادها في التدبير والتواصل والإنتاج المعرفي، إلا أن المفارقة التي تتكرر في الواقع اليومي تكشف عن فجوة ملحوظة بين مقتضيات النص وروح الممارسة، خصوصا داخل بعض المؤسسات الجامعية التي يفترض أن تكون الحصن الأول لحماية اللغة وترسيخ مكانتها.
أحدث مثال على ذلك إعلان جامعي متعلق بمنصب في تخصص اللغة العربية وديداكتيكها، كتب في صيغة هجينة أمام التخصص:
“Langue Arabe / Didactique”.
قد يبدو الأمر تفصيلا بسيطا للوهلة الأولى، لكنه يحمل دلالات سيميائية ومعرفية تتجاوز حدود الصياغة التقنية، فكيف يمكن لقسم أو مؤسسة يفترض أن تدرس العربية، وأن تنتج خطابا تربويا حول تعليمها، أن تتخلى عن هذه اللغة في أول وثيقة تعرف بمنصب شاغر؟ وهل ينسجم أمر تدريس العربية بلغة أخرى؟ كما هو الشأن في بلدان الأقليات التي ترغب في تعلم الضاد!
إن هذا النوع من الازدواجية لا يعكس فقط خللا إداريا في التعامل مع اللغة الرسمية، بل يعبر أيضا عن تصورات ضمنية أصبحت مترسخة داخل بعض الفضاءات الجامعية، مفادها أن العربية غير كافية لوصف مهام علمية أو تنظيمية، وأن اللجوء إلى لغة أجنبية يمنح الخطاب «شرعية» أو «احترافية» إضافية، وذلك تصور لا يمكن فصله عن سياق أوسع تشهد فيه الساحة الأكاديمية خرجات متكررة لخطابات تضعف مكانة العربية في الفضاء العام، وتعزز هيمنة لغات أخرى حتى حين لا تكون أكثر دقة أو ضرورة.
ولا يفهم من هذا الطرح المطالبة بإقصاء اللغات الأجنبية أو التقليل من قيمتها، فهي بوابات معرفية وثقافية لا غنى عنها؛ لكن الإشكال يكمن في اختلال تراتبية اللغات داخل المؤسسات الرسمية، وفي ضعف الإرادة التنظيمية التي يفترض أن تحمي العربية وتضمن حضورها المعياري في الوثائق الإدارية، والإعلانات، والمخرجات الأكاديمية.
كما أن الجامعة – بما هي فضاء لإنتاج المعرفة ولتوجيه السياسات اللغوية غير المعلنة – تتحمل مسؤولية مضاعفة؛ فهي ليست مجرد مستهلك للغة، بل صانعة لها، وبالتالي فإن أي تهاون في استعمال العربية داخلها يرسل رسالة رمزية إلى الطلبة والأساتذة والإداريين مفادها أن العربية لغة للتدريس والتأليف حينا، وللتزيين والاحتفال اللفظي أحيانا أخرى، لكنها ليست لغة تدبير مؤسساتي راسخ.
إن احترام العربية لا يتطلب خطابات احتفالية ولا بيانات رسمية؛ بل يبدأ من أبسط الوثائق: إعلان وظيفي، مذكرة داخلية، توصيف مسلك، أو تقرير بيداغوجي. فكلها حلقات صغيرة لكنها متصلة ضمن سلسلة ترسخ حضور اللغة في الوعي العملي اليومي. والجامعة، بما تمثله من مرجعية، يجب أن تكون النموذج الذي يحتذى به لا المثال الذي يساجل.
أخيرا وليس آخرا: لا يتعلق أمر الدفاع عن العربية بصراع لغوي أو بموقف إيديولوجي، بل هو التزام دستوري قبل كل شيء، وحماية لحق المجتمع في لغته، وتعزيز لمصداقية المؤسسات التي يفترض أن تجسد السياسات اللغوية لا أن تناقضها، وقد آن الأوان لإعادة التفكير في هذه التفاصيل التي تبدو بسيطة، لكنها تفضح عمق المفارقة بين ما نعلنه وما نمارسه.
ولعل ما يزيد هذا الإحساس حدة، ويجعل ثقل المفارقة أشد وطأة، هو ما يعيشه المرء عندما يختبر تجارب أخرى خارج الوطن، فقد عايشت خلال فترة عملي في هولندا نموذجا مختلفا تماما: بلد صغير من حيث عدد الناطقين بلغته، لكنه كبير في مستوى احترامه للغة الهولندية في الإدارات، وفي المؤسسات العمومية، وفي الوثائق الرسمية… تكاد لا تجد أثرا للغات أخرى إلا عند الضرورة القصوى. عندها تشعر بأن اللغة الهولندية ليست مجرد أداة تواصل، بل جزء من الكيان الجمعي، وحاضنة للسيادة، ورمز للثقة بالنفس والانسجام المؤسساتي.
وحين تعود إلى بلدك، وتجد العربية – وهي لغة ملايين، ولغة دستور، ولغة تاريخ حضاري ممتد – تهمش في بعض مؤسساته، يصيبك شيء يشبه الإحباط الهادئ: إحباط ليس من اللغة ذاتها، بل من ضعف الوعي بقيمتها، ومن هشاشة الإرادة التي يفترض أن تحميها، ولعل هذا الشعور بالذات هو ما ينبغي أن يتحول إلى دافع للمطالبة بالتغيير، لا مجرد تأمل حزين في المفارقة، ففي نهاية المطاف، لا يمكن للغة أن تزدهر إذا لم تجد مكانا محترما داخل بيتها الأول: الجامعة...
