التصنيف: Uncategorized

  • بين النص الدستوري والممارسة المؤسساتية: قراءة نقدية في تدبير اللغة العربية داخل الجامعة

    تحتل اللغة العربية مكانة مركزية في الهوية الثقافية للمغرب، وقد حظيت باعتراف دستوري صريح يجعلها اللغة الرسمية الأولى للدولة، ويلزم مؤسساتها باعتمادها في التدبير والتواصل والإنتاج المعرفي، إلا أن المفارقة التي تتكرر في الواقع اليومي تكشف عن فجوة ملحوظة بين مقتضيات النص وروح الممارسة، خصوصا داخل بعض المؤسسات الجامعية التي يفترض أن تكون الحصن الأول لحماية اللغة وترسيخ مكانتها.

    أحدث مثال على ذلك إعلان جامعي متعلق بمنصب في تخصص اللغة العربية وديداكتيكها، كتب في صيغة هجينة أمام التخصص:     

                                      “Langue Arabe / Didactique”.

    قد يبدو الأمر تفصيلا بسيطا للوهلة الأولى، لكنه يحمل دلالات سيميائية ومعرفية تتجاوز حدود الصياغة التقنية، فكيف يمكن لقسم أو مؤسسة يفترض أن تدرس العربية، وأن تنتج خطابا تربويا حول تعليمها، أن تتخلى عن هذه اللغة في أول وثيقة تعرف بمنصب شاغر؟ وهل ينسجم أمر تدريس العربية بلغة أخرى؟ كما هو الشأن في بلدان الأقليات التي ترغب في تعلم الضاد!

    إن هذا النوع من الازدواجية لا يعكس فقط خللا إداريا في التعامل مع اللغة الرسمية، بل يعبر أيضا عن تصورات ضمنية أصبحت مترسخة داخل بعض الفضاءات الجامعية، مفادها أن العربية غير كافية لوصف مهام علمية أو تنظيمية، وأن اللجوء إلى لغة أجنبية يمنح الخطاب «شرعية» أو «احترافية» إضافية، وذلك تصور لا يمكن فصله عن سياق أوسع تشهد فيه الساحة الأكاديمية خرجات متكررة لخطابات تضعف مكانة العربية في الفضاء العام، وتعزز هيمنة لغات أخرى حتى حين لا تكون أكثر دقة أو ضرورة.

    ولا يفهم من هذا الطرح المطالبة بإقصاء اللغات الأجنبية أو التقليل من قيمتها، فهي بوابات معرفية وثقافية لا غنى عنها؛ لكن الإشكال يكمن في اختلال تراتبية اللغات داخل المؤسسات الرسمية، وفي ضعف الإرادة التنظيمية التي يفترض أن تحمي العربية وتضمن حضورها المعياري في الوثائق الإدارية، والإعلانات، والمخرجات الأكاديمية.

    كما أن الجامعة – بما هي فضاء لإنتاج المعرفة ولتوجيه السياسات اللغوية غير المعلنة – تتحمل مسؤولية مضاعفة؛ فهي ليست مجرد مستهلك للغة، بل صانعة لها، وبالتالي فإن أي تهاون في استعمال العربية داخلها يرسل رسالة رمزية إلى الطلبة والأساتذة والإداريين مفادها أن العربية لغة للتدريس والتأليف حينا، وللتزيين والاحتفال اللفظي أحيانا أخرى، لكنها ليست لغة تدبير مؤسساتي راسخ.

    إن احترام العربية لا يتطلب خطابات احتفالية ولا بيانات رسمية؛ بل يبدأ من أبسط الوثائق: إعلان وظيفي، مذكرة داخلية، توصيف مسلك، أو تقرير بيداغوجي. فكلها حلقات صغيرة لكنها متصلة ضمن سلسلة ترسخ حضور اللغة في الوعي العملي اليومي. والجامعة، بما تمثله من مرجعية، يجب أن تكون النموذج الذي يحتذى به لا المثال الذي يساجل.

    أخيرا وليس آخرا: لا يتعلق أمر الدفاع عن العربية بصراع لغوي أو بموقف إيديولوجي، بل هو التزام دستوري قبل كل شيء، وحماية لحق المجتمع في لغته، وتعزيز لمصداقية المؤسسات التي يفترض أن تجسد السياسات اللغوية لا أن تناقضها، وقد آن الأوان لإعادة التفكير في هذه التفاصيل التي تبدو بسيطة، لكنها تفضح عمق المفارقة بين ما نعلنه وما نمارسه.

    ولعل ما يزيد هذا الإحساس حدة، ويجعل ثقل المفارقة أشد وطأة، هو ما يعيشه المرء عندما يختبر تجارب أخرى خارج الوطن، فقد عايشت خلال فترة عملي في هولندا نموذجا مختلفا تماما: بلد صغير من حيث عدد الناطقين بلغته، لكنه كبير في مستوى احترامه للغة الهولندية في الإدارات، وفي المؤسسات العمومية، وفي الوثائق الرسمية… تكاد لا تجد أثرا للغات أخرى إلا عند الضرورة القصوى. عندها تشعر بأن اللغة الهولندية ليست مجرد أداة تواصل، بل جزء من الكيان الجمعي، وحاضنة للسيادة، ورمز للثقة بالنفس والانسجام المؤسساتي.

    وحين تعود إلى بلدك، وتجد العربية – وهي لغة ملايين، ولغة دستور، ولغة تاريخ حضاري ممتد – تهمش في بعض مؤسساته، يصيبك شيء يشبه الإحباط الهادئ: إحباط ليس من اللغة ذاتها، بل من ضعف الوعي بقيمتها، ومن هشاشة الإرادة التي يفترض أن تحميها، ولعل هذا الشعور بالذات هو ما ينبغي أن يتحول إلى دافع للمطالبة بالتغيير، لا مجرد تأمل حزين في المفارقة، ففي نهاية المطاف، لا يمكن للغة أن تزدهر إذا لم تجد مكانا محترما داخل بيتها الأول: الجامعة...

  • الخلفيات المعرفية وراء اختلاف البصريين والكوفيين في تقدير المحذوف: دراسة تطبيقية في قوله تعالى: ﴿أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ﴾

    سألني أحد الطلبة الباحثين مؤخرا عن سبب اختلاف النحويين البصريين والكوفيين في تقدير المحذوف في قوله تعالى:
    ﴿أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ﴾ [الحجرات: 6]
    فأقول وبالله التوفيق: هذا الاختلاف يكشف – لمن يتأمله – عن جذور منهجية عميقة، تتجاوز حدود الصناعة النحوية إلى الخلفيات العقلية والمعرفية والأصولية لكل من المدرستين، فبالرغم من اتفاقهما في إطار التحليل اللغوي العام، إلا أن اختلافهما في تقدير المحذوف هنا يمثل نموذجا دقيقا لفلسفة كل مدرسة في التعامل مع النص القرآني وكشف العلل النحوية.

    حيث ذهب الكوفيون إلى تقدير:
    «لِئَلّا تُصِيبوا قوما بجهالة»،
    بينما رأى البصريون تقدير:
    «كراهيةَ أن تصيبوا» أو «خشيةَ أن تصيبوا».

    أولا: الخلفيات التي وجّهت منهج البصريين

    قبل التطرق للمسألة لا بد من توطئة موضحة للخلفية الفكرية والمعرفية والعقدية لكل مدرسة، وذلك في الإطار العام، وليس بدقة تامة، حيث يمثل منهج البصريين المسار الأكثر عقلانية في النحو العربي؛ إذ يتميز بالبحث عن العلة الغائية الدقيقة، والنزوع إلى التقعيد والضبط، لذلك فهم يفضلون التقديرات التي ترتبط بـ: :الدافع الداخلي للفعل أو الغرض النفسي، ومن هنا اختاروا تقدير:
    «خشية» أو «كراهية».

    الأسس المعرفية

    1. اعتماد العقل التحليلي في التفريق بين صيغ الغاية وطرائق توجيه المعنى.
    2. النظر إلى التركيب بوصفه منظومة دلالية مترابطة تحتاج إلى رابط منطقي يحقق الاتساق.

    الأسس الأصولية

    تغليب القياس على السماع عند الاختلاف.

    1. اعتبار الغاية جزءًا من العلة النحوية، مما يجعل صيغة المصدر (خشية/كراهية) أنسب في باب المفعول لأجله.
    2. الحرص على تقدير ما يضمن الانسجام المعنوي ويزيل ما قد يُتوهم من غموض في السياق.

    ولذلك بدا للبصريين أن تقدير «خشية» أو «كراهية» أقرب إلى مقام التحذير الذي وردت فيه الآية.

    ثانيا: الخلفيات التي وجهت منهج الكوفيين

    يتسم منهج الكوفيين بالنزعة السماعية القائمة على تتبع ما روي من كلام العرب بلا مغالاة في التعليل، لذلك مالوا إلى تقدير «لِئلّا» لأنه الأسلوب الشائع في لسان العرب للدلالة على الاحتراز ومنع وقوع الفعل.

    الأسس المعرفية

    1. الاعتماد على اللغة كما نقلت، مع عدم الإكثار من التقديرات الذهنية.
    2. قبول التوسع في الأساليب والعبارات ما دام لها شواهد سماعية.

    الأسس الأصولية

    1. تقديم السماع على القياس عند التعارض.
    2. تفسير الغاية من زاوية النتيجة المتوقَّى وقوعها وليس الدافع النفسي للفعل.
    3. عدم التشدد في تقدير المحذوف ما دام التركيب يؤدي وظيفة بلاغية مقبولة.

    ومن هنا كان تقدير «لِئلّا» طبيعيا ومتسقا مع المنهج الكوفي.

    ثالثا: أمثلة إضافية تبرز اختلاف المنهجين

    لا ينحصر هذا التباين المنهجي في آية واحدة، بل يمتد إلى مواضع أخرى، قرآنية وشعرية، تجلي اختلاف الرؤيتين:

    1. قوله تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾

    • البصريون: يقدّرون «أهل القرية» لاعتبارات عقلية ودلالية.
    • الكوفيون: يبقون اللفظ على ظاهره دون تقدير، اعتمادا على السماع والمجاز.

    2. قوله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾

    • البصريون: يقدّرون «أمر ربك» أو «قضاؤه» رفعا للإشكال.
    • الكوفيون: يكتفون بحمل اللفظ على التوسع البلاغي.

    3. قوله تعالى: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ﴾

    • البصريون: يقدّرون «أمم من أرسلنا» منعا لتوهم غير المراد.
    • الكوفيون: لا يرون ضرورة للتقدير، مكتفين بالسياق البلاغي.

    يظهر هذا الاختلاف أن النحو العربي ليس مجموعة أحكام شكلية، بل هو مرآة لخلفيات معرفية وأصولية شكلت رؤية كل مدرسة للغة ودلالاتها، فقد بنى البصريون تحليلاتهم على العقل والقياس والعلل، بينما أسس الكوفيون منهجهم على السماع والتداول اللغو، ومن هنا تنوعت مسالكهما في تقدير المحذوف وفهم الغايات والأغراض البلاغية.

    ويبقى هذا التنوع مصدر ثراء في الدراسات اللسانية العربية، وفرصة للباحثين لفهم عمق التراث النحوي وتعدد آلياته في قراءة النصوص، خاصة النص القرآني.

  • اللغة العربية هوية: لماذا نتحدثها بخجل؟

    كأن الفصحى ــ وهي أم الألسنة وبنت البيان ــ قد أضحت غريبة في دارها. نسمعها في الخطب والأنشودة المدرسية، ثم نطويها عن ألسنتنا في حديث المقهى ومجلس الصداقة، كأنّها زينة المناسبات لا لغة الحياة.
    فهل يعقل أن نخجل من لساننا الذي نفكر به، ونستحي من نغمة الحروف التي سكنت أرواحنا منذ الطفولة؟

    لقد تسلل إلى وعينا ــ شيئا فشيئا ــ أن التحدّث بالعربية الفصحى نوع من “التكلف”، وأن الانفتاح على العالم يقتضي أن نُهَجن لساننا بمزيج من الأعجمي والمكسور؛ وحين غلبت علينا العاميات المتأثرة باللغات الأجنبية، انكمش الحضور الفصيح حتى في مواطن الفكر والجامعة، صار بعض أبنائها يتلجلجون في لفظها، ويستثقلون نحوها، كأنّهم يُلقون تحيةً على زمن بائد لا على لغة حيّة.

    لكن الحقيقة أبعد من ذلك وأجمل، فالعربية ليست مجرد وسيلة تواصل، بل هي ذاكرة الأمة وضميرها الجمعي. هي التي حملت أسماءنا وأحلامنا، ونقلت إلينا فلسفة الحياة من شعر امرئ القيس إلى آهات درويش. وحين تتحدث الفصحى، فأنت لا تستدعي ألفاظا جامدة، بل توقظ تاريخًا يسري في دمك دون أن تشعر.

    إن الخجل من لغتنا ليس خجلا من نحو أو صرف، بل خجل من الذات. ومن يخجل من لغته، يخجل من صورته في مرآة التاريخ؛ فكم من أمة اعتزّت بلسانها فارتقت، وكم من أمة أضاعته فضاعت ملامحها في زحمة الأصوات المستعارة، كما ذكر حافظ إبراهيم رحمه الله.

    الفصحى لا تطلب منا أن نحفظها في القواميس، بل أن نحبها في الشارع، في الإعلان، في الدرس، في الشاشة، في الحلم، أن نتحدثها ببساطة لا بتصنع، بثقة لا بخوف، كمن يستعيد نبض قلبه لا كمن يستحضر لغة ميتة.
    فإذا عادت العربية إلى الحياة اليومية، عاد معها الإحساس بالانتماء، واستقامت الروح على وزنها الإيقاعي الجميل الجليل.

    لذلك، لنرفع رؤوسنا حين ننطق بها، ولنرب أولادنا على أن الفصحى ليست لغة الماضي بل لغة الكرامة والهوية. فالذي يتقن لغته، لا يفقد نفسه مهما تنقل بين اللغات.
    ولعل أجمل ما نختم به، قول أحد البلغاء:

    من أحب لغته أحب وجوده، ومن استحيا منها استحيا من نفسه”

  • حين تذبح اللغة العربية على أبواب المؤسسات: عن “الإمتحانات” التي فضحت خللا أعمق

    مررت ذات يوم بباب مؤسسة تعليمية عمومية كتب عليها: “المركز الإقليمي للإمتحانات”، وما شدني إلى التوقف عليها ليس هالة الجهة ولا أهمية الاختبارات التي تشرف عليها، بل ذلك الخطأ الإملائي الفادح الفاضح في كلمة “الامتحانات”، حيث كتبت بهمزة مكسورة تحت الألف،

    قد يبدو للبعض أن الأمر بسيط، لكن من يقدّر اللغة يدرك أن الخطأ هنا ليس إملائيا فحسب، بل رمزيا ومؤلما في عمقه ودلالاته.

    كيف نثق في مؤسسة وظيفتها تنظيم الامتحانات والتقويم والتصحيح، وهي تعجز عن كتابة اسمها بشكل سليم؟

    ما الذي تبقى من الهيبة العلمية حين تذبح اللغة على مدخل مركز يفترض أنه حارس الجودة التعليمية؟

    بل كيف نقنع أبناءنا بأهمية القواعد الإملائية وهم يرون اللافتات الرسمية تسير في الاتجاه المعاكس لما ندرسهم في الفصول؟

    نحن لا نتحدث هنا عن منشور على وسائل التواصل، ولا عن سبورة نسي المعلم تصحيحها، بل عن لافتة رسمية دائمة، تمر تحتها مئات الأطر والطلبة كل يوم، وتعلق على جدار مؤسسة تعتبر مرجعا تربويا.

    فهل من المعقول أن تمر مثل هذه الأخطاء دون تدقيق أو مراجعة؟ ألا يوجد في المؤسسة من يجيد كتابة الكلمة؟ أم أن العربية أصبحت في ذيل الأولويات حتى في مواضعها الرسمية؟

    في البلدان التي تحترم نفسها، لا تُقرّ لافتة قبل أن تمرّ على مدقق لغوي، لأن اللغة هناك ليست شكلاً فقط، بل مضمونًا حضاريًا. أما في بلداننا، فكأن اللغة العربية تُعامل وكأنها عبء، لا ميزة.

    إنّ الخطأ في كلمة “الامتحانات” ليس مجرد همزة في غير موضعها، بل هو اختزال لمشهد أكبر من الإهمال اللغوي، الذي يعكس إهمالا للهوية، واستخفافا بالرموز، وتفريطا في قيمة من أعز ما نملك.

    نحتاج إلى يقظة لغوية حقيقية، تبدأ من احترام الحرف العربي، ولافتات المؤسسات، وتمر عبر تدقيق كل وثيقة، ولا تنتهي إلا حين تصبح العربية واجهة مشرفة لا موضع سخرية.

    أيها المسؤولون، لا تجعلوا من الأخطاء الإملائية سمة مؤسساتكم.

    أيها المعنيون بالشأن التعليمي، لا تكتفوا بتدريس اللغة في المقررات، بل اجعلوها منارة في الواقع، تبدأ من أبواب مؤسساتكم.

    لأن من يكتب “الإمتحانات” بهمزة تحت الألف، عليه أن يعيد هو نفسه اختبار الانتماء. وكتبه الزهراوي يوم 15/10/2025

  • لَيُبَطِّئَنَّ”… كلمة تبطئ اللسان وتفضح النية!

    بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله الملك الحق المبين والصلاة والسلام على من أوتي جوامع الكلم.في رحاب القرآن الكريم، تتناغم الألفاظ والمعاني في سمو بلاغي عبر سلم الجمال والجلال قل نظيره، فتجد الكلمة الواحدة تشكل مشهدا شعوريا ومعنويا كاملا، ليس فقط بمعناها، بل حتى بإيقاعها وجرسها، ومن أعجب ما يطالعنا في هذا الباب كلمة وردت في سورة النساء، ثقيلة في مبناها، عميقة في معناها، وهي قول الله تعالى:
    ﴿وإِنَّ مِنكُمْ لَمَن لَّيُبَطِّئَنَّ ۖ فَإِنْ أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُن مَّعَهُمْ شَهِيدًا﴾ [النساء:72]
    الآية في سياقها: موقف نفس متخاذلة
    الآية ترسم مشهدا نفسيا لفئة من الناس كانوا في صفوف المؤمنين ظاهريا، لكنهم في الحقيقة يتباطؤون ويتخلفون عن المشاركة في ميادين الجهاد والبذل؛ هذا التباطؤ ليس وليد الكسل العابر، بل ناتج عن ضعف إيمان، وخوف داخلي، ونفاق دفين.
    وهنا يأتي التعبير القرآني بـ “لَيُبَطِّئَنَّ” ليكشف هذه الحالة النفسية المترددة، ويجسّدها في لفظ تتعثر به الألسن كما تتعثر القلوب المتخاذلة في اتخاذ القرار.
    ثقل النطق.. مرآة لثقل النية
     فلنتأمل بناء هذه الكلمة من حيث الصوت والنطق:
    لَيُبَطِّئَنَّ
    تبدأ بـ لام التوكيد الثقيلة، تعطي انطباعا بالقطع والجزم.
    تليها ياء المضارعة التي تدل على الاستمرارية أو المستقبل.
    ثم الباء، يليها الطاء المشددة، وهو من أقوى الحروف لاشتماله على صفات الاستعلاء والإطباق والجهر، ما يجعله انفجاريا على رأي أهل الصواتة.
    وتليها الهمزة المفتوحة، وهي من الحروف الحلقية الصعبة.
    ثم تأتي نون التوكيد الثقيلة في الختام، لتغلق الكلمة بإيقاع مثقل ومغلق.
    كل حرف في هذه الكلمة يبدو وكأنه يعيق جري اللسان، ومجرى الهواء في الحلق، ويبطئ حركته، فيحاكي بذلك التباطؤ الذي تحمله الكلمة في معناها. وكأن القارئ حين ينطقها يجبر على الوقوف، أو التردد، أو الإبطاء، فيعيش لحظة التخاذل نفسها التي يصفها القرآن.
    إنه مثال بليغ لما يعرف بـ “المحاكاة الصوتية”، حيث يطابق الصوت المعنى، والإيقاع النفسي.
    دلالات صرفية: الكلمة تحمل أكثر مما يبدو
    الجذر:
    الكلمة مأخوذة من الجذر: [ب – ط – ء]
    والفعل الأصلي: بَطُؤَ، أي: تأخر وثقُل.
    الفعل المزيد: بَطَّأ، بصيغة فعّل، للدلالة على التعدية والتكثير.
    الوزن:
    الكلمة على وزن: “لَيُفَعِّلَنَّ” مع زيادة:
    لام التوكيد في أولها.
    نون التوكيد الثقيلة في آخرها، في إطار السوابق واللواحق.
    هذه التراكيب النحوية توصل رسالة واضحة:
    هذا الفعل مؤكّد الحدوث، متكرر، دال على سلوك مستمر نابع من طبع متجذر، لا زلة عابرة، أو خطأ غير مقصود.
    البنية النفسية: “أنعَمَ الله عليّ”!
    الأدهى أن صاحب هذا الفعل – الذي تباطأ وتخلف – إذا وقعت بالمسلمين مصيبة، لا يشعر بالخجل من قعوده، بل يقول: “قد أنعم الله عليّ إذ لم أكن معهم شهيدًا”
    كأنّ السلامة من البلاء هي النعمة الكبرى، لا المشاركة مع المؤمنين في التضحية والفداء!
    وهذا يبين كيف يمكن للجبن أن يتحول إلى “قناعة”، وللتقاعس أن يلبس لباس الحكمة أو السلامة، في مشهد تعرية أخلاقية كاملة، وكشف فاضح للنية؛ حيث لم يحتج فيها القرآن لأكثر من كلمة واحدة لتفتح الباب على هذه النفسية المريضة: “لَيُبَطِّئَنَّ”.
    فمن تأمل كلمة “لَيُبَطِّئَنَّ” أدرك أن القرآن لا يقدم معانيه فقط من خلال التفسير، بل حتى من خلال الصوت، والإيقاع، والحركة الفعلية للسان.
    فا القارئ حين يصل إلى “لَيُبَطِّئَنَّ” غالبا يبطئ فعلا في نطقها، سواء شاء أم أبى، حتى دون قصد، وهذا البطء اللحني الإجباري هو جزء من عبقرية البيان القرآني، حيث تفرض الكلمة إيقاعها على القارئ، فتنشئ تجربة حسية متكاملة، يشعر فيها التالي والسامع معا بثقل الفعل وبشاعة الموقف.
    إن “لَيُبَطِّئَنَّ” ليست مجرد فعل يدل على التباطؤ، بل هي تجسيد صوتي ونفسي وأخلاقي لحالة متكاملة من الجبن والتقاعس والخيانة الداخلية.
    فمن تأمل تركيبها الصوتي الثقيل، أحس بما في النفس من تردد،
    ومن وعى معناها، فهم ما في القلب من خلل، ومن قرأ سياقها، أدرك ما في الموقف من خطورة.
    فالقرآن الكريم، في هذه الكلمة القصيرة، يصوّر شخصية كاملة بكل ما فيها من تناقض وضعف،
    ويجعلنا نسمع ونحس هذا التباطؤ قبل أن نفهمه.
    وهذا هو إعجاز القرآن:
    حيث تلتقي البلاغة بالصوت، والمعنى بالحركة، والنطق بالحال، فيتحول الحرف إلى مشهد، والكلمة إلى موقف، والآية إلى مرآة للقلب. 
    توقيع الأستاذ: عبد الخالق الزهراوي بتاريخ: 19/09/2025

  • القهر اللغوي: اغتراب في عقر الدار

    في زمن تتسارع فيه خطى الأمم نحو النهضة العلمية والمعرفية، اعتمد العالم كله على الترجمة والتعريب بوصفهما جسرين ضروريين للتواصل مع العلوم الحديثة، دون أن يفرط في لغته الأم، التي تشكل الوعاء الأصيل للهوية، والمرآة العاكسة للفكر، والمنطلق الطبيعي للإبداع؛ إلا أن المفارقة المؤلمة أن بعض البلاد الناطقة بالعربية اختارت طريقا مغايرا، حين آثرت استيراد اللغات الأجنبية لا كوسيلة، بل كغاية، فجعلتها لغة التعليم، ومفتاحا وحيدا للعلم، وجسرا إجباريا للارتقاء، ولو على حساب اللغة الأم.

    في قلب هذا المشهد القاتم، يتجلى ما يمكن تسميته بـ**”القهر اللغوي”**، حين يجبر الطالب العربي على تحصيل العلوم بلغة أجنبية، لا يتقنها بطبيعته، ولا يشعر تجاهها بأدنى ألفة، فيغدو الفهم ثقيلا، والتعبير أعوج، والإبداع متعثرا، لا لقصور في الذكاء، بل لعجز في الأداة، إن المرء حين يطلب منه أن يفكر، ويحلل، ويبدع بلغة غير لغته، فكأنما ينتزع من تربة ذاته، ويغرس في أرض لا يعرفها، ولا تعرفه.

    رأيت هذا القهر ماثلا في عيني ابني وهو طفل في العاشرة، يقلب صفحات كتاب في الرياضيات مكتوب بلغة فرنسية لا يدرك من بنيتها شيئا، فيجاهد لا لفهم الفكرة، بل لفك طلاسم اللغة التي كتبت بها الفكرة، إن التعليم حين يتحول إلى عملية ترجمة مستمرة داخل عقل المتعلم فإنه يفقد جوهره، ويصبح عبئا بدلا من أن يكون محركا للوعي.

    إن ازدواجية اللغة في التعليم لا تنتج عقولا مزدوجة اللغة، بقدر ما تنتجه هو تلك العقول المشروخة التي تظل عالقة بين لغتين: لغة يدرسون بها، ولغة يشعرون بها.

     وتزداد الفجوة حين تهمش اللغة العربية في العلوم، ويروج لها بوصفها لغة تراثية، أدبية، لا تصلح لسبر أغوار العلم الحديث، ولا لاحتضان التكنولوجيا، وكأن اللغة العربية لم تنجب الخوارزمي وابن الهيثم وابن سينا والفارابي، ولم تستخدم لقرون في تدريس الطب والهندسة والفلك والفلسفة في أزهى عصور الحضارة.

    أي قهر أعظم من أن يطلب من المتعلم العربي أن يجيد لغة غير لغته حتى يعد يعد “ناجحًا”، بينما ينظر إلى لغته الأم كعائق؟! وأي اغتراب أعمق من أن يعيش الإنسان في وطنه، لكنه يدرس ويقيم ويهمش بلغات وافدة، بل يطلب منه أن يبجلها أكثر من لغته، وكأنها مفتاح التقدم الوحيد؟

    إن القهر اللغوي ليس مجرد قضية تعليم، بل هو قضية هوية وكرامة وسيادة. فحين تمجد لغة المستعمر المحتل القديم الجديد، وتقصى اللغة الوطنية، فإننا نعيد إنتاج الهزيمة بثوب أكاديمي.

    ولا عجب أن تنشأ أجيال لا تشعر بالانتماء العميق إلى ثقافتها، ولا تعتز بلغتها، بل تستحي أحيانا من استخدامها في المحافل العلمية أو الاجتماعية.

    ليست المشكلة في تعلم اللغات الأجنبية، فهي ضرورة لا جدال فيها، ولكن المشكلة تكمن في أن تصبح اللغة الأجنبية بديلا عن اللغة الأم، لا أداة مكملة لها. اللغة الأجنبية يجب أن تتعلم كوسيلة للانفتاح، لا كمعيار للارتقاء، ويجب أن تبقى اللغة الأم هي المنصة الأولى للفكر، والتعبير، والتعلم، لأنها الأقدر على اختزال التجربة الشعورية، ونقل المعنى، وبناء المعارف.

    بنا على ما تقدم: إن مواجهة القهر اللغوي لا تكون بالشكوى وحدها، بل تتطلب مشروعا نهضويا متكاملا لإعادة الاعتبار للغة العربية، يبدأ من التعريب الجاد للعلوم، ويمر بتكوين معاجم ومصطلحات علمية دقيقة، وتطوير مناهج اللغة، وتدريب المعلمين، ولا ينتهي إلا حين تصبح العربية لغة العلم والفكر والإبداع، لا مجرد مادة للنجاح أو الرسوب.

    وحينها فقط، يستطيع الطفل العربي أن يدرس ويبدع دون أن يطلب منه أن يفكر بلغة غير لغته، أو أن يترجم روحه قبل أن يترجم المفاهيم والمصطلحات والمعاني.

  • المتحدث الجيد صاحب فكر سليم.

    يجمع أرباب البلاغة وفلاسفة اللغة على أن القدرة على التعبير الجيد لا تنبع من حسن النطق أو تنميق الألفاظ فحسب، بل من صفاء الذهن واستقامة الفكر فالمتحدث الجيد، في جوهر أمره ليس من يحسن إدارة لسانه فحسب، بل من يحسن إدارة عقله قبل ذلك، لأن اللغة ليست سوى أداة تعكس ما يجري في باطن الفكر من عمليات تحليل وتركيب وتقييم.

    والحق أن العلاقة بين التفكير واللغة علاقة جدلية متشابكة، فكما أن اللغة تسهم في تشكيل الفكر، فإن جودة التفكير هي التي تضبط اللغة وتمنحها اتساقها الداخلي ومنطقها البياني، وبناء على ذلك فإن المتحدث الذي يعاني من اضطراب في منظومته الفكرية، لا يستطيع – مهما بلغ من الطلاقة – أن يقنع مستمعيه أو يلامس عقولهم، لأنه يعبر عن أفكار مفككة، متناقضة، أو غير ناضجة.

    ولئن قيل إن “البلاغة في الإيجاز”، فإن هذه البلاغة لا تتحقق إلا حينما يكون الفكر منقى من الحشو، مرتبا في تسلسله، مراعيا مقتضى الحال. فالإيجاز بلا وضوح تقصير، والإطناب بلا حاجة تطويل ممل، وكلاهما يفضي إلى ضعف في التواصل وفقدان التأثير، لذلك فإن المتحدث الجيد هو الذي يدرك مقتضيات المقام، ويحسن ترتيب حججه، ويزن كلماته بميزان الحكمة، ولا يترك لسانه يسبق ذهنه.

    وما يقال في هذا السياق لا يقتصر على لغة بعينها، بل هو أمر ينسحب على جميع اللغات، إذ إن اللغة، أيا كان نظامها، لا تجدي نفعا إذا لم تكن مسنودة بعقل نابه، وبفكر ناضج يميز بين الغث والسمين، ويدرك دلالات الألفاظ، وسياقات المعاني، ومسالك الحجاج؛ والمتأمل في أعلام الخطابة والبيان، سواء في التراث العربي أو في غيره من الثقافات، يجد أنهم كانوا – قبل أن يكونوا فصحاء – مفكرين، حذقوا أدوات العقل، فأجادوا التعبير عنه.

    وعليه، فإن من رام امتلاك ناصية البيان، فليبدأ أولًا بتقويم أدوات تفكيره، وتنمية قدراته العقلية، وتدريب ذهنه على المنهج، قبل أن يلهث وراء زخرف القول أو بهرجة الأسلوب فالكلمة، إن لم تكن مسندة بفكرة متماسكة، فإنها لا تعدو أن تكون صدى أجوف، مهما تجملت وتزينت.

    ختاما: إن صلاح اللسان من صلاح الجنان، وإن من أراد أن يكون متحدثا جيدا، فليكن مفكرا جيدا أولا؛ فبقدر ما يسمو الفكر، تسمو اللغة، ويترقى الإنسان في مدارج البيان.

  • التداوليات: فن الكشف عن المعاني الخفية

    ليست اللغة مجرد ألفاظ تقال، بل هي أفعال تمارس، ومقاصد تُخفى، ونوايا تُشفر تحت سطح الكلام. وهنا تبرز التداوليات، ذلك الفرع العميق من علم اللسانيات، الذي ينقلنا من ظاهر الخطاب إلى باطنه، ومن المعنى الحرفي إلى المقصد الضمني. إنها الأداة التي تضيء المناطق الرمادية بين القول والمعنى، وتكشف كيف أن السياق ليس إطارا للكلام فحسب، بل مفتاحا لفهمه.

    في ضوء التداوليات، نكتشف أن كثيرا من الجمل التي تبدو إخبارية، تحمل وظائف إنشائية في الواقع؛ فالمتكلم لا يُعلِن فقط، بل يلمح، ويأمر، ويهدد، ويُدين دون أن يصرح. كقولك لأحدهم: الساعة تأخّرت ليس مجرد إخبار عن الزمن، بل قد يكون دعوة للانصراف أو لوما مغلفا، أو عتابا مؤدبا… وهكذا، تتحوّل الجملة من كونها ناقلة للواقع واصفة له، إلى أداة للتأثير فيه.

    من يُتقن أدوات التداوليات، يمتلك بصرا وبصيرة في آن. يرى ما وراء الكلمات، ويفكك الخطاب لا كما كتب، بل كما أُريد له أن يفهم، في السياسة، وفي الإعلام؛ بل في الحياة اليومية، تصبح التداوليات وسيلته لفهم الناس والواقع والخطاب معا.

  • الانفتاح المعرفي من آثار ممارسة التدقيق اللغوي

    لا تقتصر وظيفة المدقق اللغوي على الجوانب الشكلية للنصوص من ضبط لغوي أو نحوي أو إملائي فحسب، بل تتعدى ذلك إلى عملية تفاعل معرفي عميق مع المضامين التي يتناولها النص. فممارسة التدقيق اللغوي، بحكم طبيعتها التراكمية وتعدد موضوعاتها، تفتح أمام المدقق آفاقًا فكرية واسعة، وتجعله على تماسّ مباشر مع مجالات معرفية متنوعة؛ كالأدب، والعلوم، والفكر، والطب، والاقتصاد، والفلسفة، والقانون، وغيرها.

    ومن خلال هذا الانخراط المستمر في مواد علمية وثقافية متعددة المشارب، يكتسب المدقق معرفة موسوعية متدرجة، ويطوّر مهاراته في القراءة التحليلية، والربط بين المفاهيم، والتعامل مع المصطلحات التخصصية في سياقات مختلفة. ولو بقي المدقق حبيس مجاله اللغوي البحت، لانحصر أثره في أطر تقنية محدودة، ولَفَقَد الفرصة في توسيع أفقه المعرفي، وفهمه للأنساق الفكرية والثقافية التي تشكّل خلفية النصوص التي يتعامل معها.

    وعليه، يمكن القول إن مهنة التدقيق اللغوي تمثّل، إلى جانب كونها ممارسة لغوية، رحلة معرفية متواصلة تُسهم في صقل عقل المدقق وتغذية فضوله العلمي، وتُعزز من قدرته على التعامل مع النصوص ليس بوصفها وحدات لغوية جامدة، بل باعتبارها تمثيلات حية لحقول معرفية متشابكة.

  • اللَّعيبة: حين يصاب اللسان العربي بذبحة لغوية!

    ما عاد من الغرابة أن تجلس إلى مجلس شبابي، فتسمع العجب العجاب مما يسوق على أنه “تواصل”، بينما هو في الحقيقة تواطؤ لغوي على اغتيال البيان، وانقلاب على الفصاحة، وتمرد ناعم على نعمة اللسان.

    لقد أصبح لبعض شبابنا “لغة” هجينة، لا هي عربية مبينة، ولا عامية مألوفة، ولا أعجمية مفهومة، بل مزيج من أصوات وغمغمات، تبنى فيها الجمل على كلمة واحدة لا غير: اللعيبة!

    نعم، “اللعيبة”… تلك الكلمة العائمة، الزئبقية، التي تسللت إلى ألسنة الكثيرين، فابتلعت المفردات، وأقصت الدلالات، حتى أصبحت واسطة عقد اللغة الكسلى. إن نسيت اسم شيء، فقل: اللعيبة. وإن لم تعرف وصف موقف، فقل: “ذيك اللعيبة”. وإن أردت الحديث عن فكرة، أوجهاز، أوتجربة، أوشعور، أو حتى أزمة وجودية… فاللعيبة تتكفل بالمقام!

    ولله درها من كلمة! كلمة قادرة على حمل ما لا يحمل، تتسع لألف معنى، وتضيق عن أن تفسر، حتى صار المرء في حيرة: أهي اسم، أم فعل، أم اسم فاعل مستتر خلف ضباب الغموض؟ أم هي علامة على انهيار حضاري ناعم، يؤتى اللسان فيه من قبل أهله، لا أعدائه؟

    إن اللعيبة” ليست مجرد ظاهرة لغوية، بل عرض من أعراض الفقر المعجمي المريع، والتكلس التعبيري، والتقزم الذهني في ربط الكلمات بأفكارها. كأنما قطعت الصلة بين اللفظ والمعنى، فصارت العبارات تدور في فراغ، والأحاديث تنتقل من “اللعيبة ديالهم” إلى “اللعيبة ديال البارح” حتى “اللعيبة ديال ولد فلان”، دون أن يفهم من كل ذلك شيء، سوى أن قائله عاجز عن أن يسمي، أو يشير، أو يُحدد.

    والمفارقة أن هذا التخلخل لا يصدر عن أُميين أو من حرموا التعلم، بل من فئة يفترض فيها المعرفة، وتلصق بها شهادات عليا، ولكنها – والحق يقال – تعيش بلا معجم، وتفكّر بلا كلمات.

    ولنا أن نتساءل: كيف يكون الإنسان فكرا دون لغة؟ وكيف يمارس الوعي دون مفردات؟ وهل يعقل أن تختزل آلاف المفاهيم البشرية في “اللعيبة”، كأنما اختصرت الدنيا في كيس بلاستيكي نحمله دون أن نعلم ما فيه؟

    لقد كانت العرب تقول: لكل مقام مقال، واليوم صار لنا مقام واحد، ومقال واحد، ومفتاح سحري يغني عن كل المعاجم: اللعيبة!

    فيا أبناء الضاد، أما آن لكم أن تراجعوا عهدتكم المعجمية؟ أن تنقبوا في تراثكم اللغوي كما ينقب الذهب في المناجم؟ أن تدركوا أن اللغة ليست زينة اللسان فقط، بل أداة الفكر، ومعول الفهم، وجسر التواصل الحقيقي؟

    إن الفقر المعجمي ليس مجرد خلل في التواصل، بل هو انسلاخ هادئ من الهوية، وافتقار صامت للثقافة، وانحدار تدريجي نحو مجتمع لا يحسن التعبير عن ذاته، فيوشك أن يفقد ذاته ذاتها.

    فلنعد إلى اللغة. لا إلى تلك المغسولة المعقوصة الممسوخة في تطبيقات الدردشة، بل إلى اللغة الحية، الثرية، التي تسمي كل شيء باسمه، وتضع لكل دال مدلولا.

    وأما “اللعيبة”، فحبذا لو نعيدها إلى مكانها الطبيعي: على ألسنة الأطفال في ملعب، لا على أفواه الكبار في مجالسهم.