الجهل ليس دائما مجرد غياب للمعرفة، ولا هو فراغ ينتظر من يملأه. احيانا يتحول الى موقف متماسك، يتلبس ثوب الغيرة، ويستند الى شعور داخلي باليقين، حتى يبدو لصاحبه انه يحمي شيئا عظيما، بينما هو في الحقيقة يغلق على نفسه باب الفهم.
هؤلاء هم القابضون على الجهل.
تجدهم يتحفظون من النص قبل ان يقرأوه، ويتوجسون من الكاتب قبل ان يفهموه. يضعون بين انفسهم وبين التراث حواجز من الشك المسبق، لا لشيء الا لان هذا التراث فيه اختلاف. وكأن الاختلاف عيب، او نقص، او خطر يجب التخلص منه.
لهذا يضيقون بالادب العربي حين يتشعب، وينفرون منه حين يعكس تنوعا في الافكار والاتجاهات. يرفضون بلاغة كتبها معتزلي، او شعرا قاله شيعي، او كتابا مثل الاغاني، فقط لانهم يرون ان هذه الاعمال لا تنفصل عن خلفيات عقدية لا يطمئنون اليها. فيتحول الادب عندهم من مجال للفهم والتذوق الى ساحة شك وتصنيف.
لكن السؤال البسيط الذي لا يريدون طرحه: ماذا يبقى من التراث اذا اخذنا منه ما يوافقنا فقط وتركنا الباقي؟
اللغة العربية لم تكن يوما ملكا لمذهب واحد، ولا صوتا لفرقة واحدة. هي حصيلة قرون من التفاعل، شارك فيها المختلفون قبل المتفقين. ولو جردناها من هذا التنوع لفقدت جزءا كبيرا من ثرائها، وربما فقدت قدرتها على التعبير اصلا.
الخوف من الاختلاف لا يحمي الانسان، بل يضعفه. لان من لا يسمع الا صوته، ولا يقرأ الا ما يوافقه، يظن انه قوي، لكنه في الحقيقة هش، يتجنب كل ما يمكن ان يختبر قناعته.
والمفارقة ان بعضهم يرى نفسه في زمرة القابض على دينه كالقابض على الجمر، بينما هو في الواقع يقبض على شيء اخر تماما. يقبض على خوفه، وعلى رغبته في البقاء داخل دائرة مغلقة، لا يدخلها سؤال، ولا يخرج منها شك.
المعرفة ليست خطرا بحد ذاتها، ولا القراءة تحول الانسان تلقائيا الى نسخة مما يقرأ. بل على العكس، هي تمنحه ادوات للفهم والتمييز. واللغة ليست عقيدة، بل وسيلة، ومن دون هذه الوسيلة يضيق الافق، ويضعف البيان.
كيف يمكن للانسان ان يناقش فكرة وهو لم يطالع مصادرها؟ وكيف يرد على خطاب وهو لا يعرف لغته وادواته؟ الرفض المسبق لا يصنع وعيا، بل يصنع عزلة.
القابض على دينه حقا ليس من يهرب من كل ما يخالفه، بل من يواجهه بثبات، يفهمه ثم يختار موقفه عن وعي. اما القابض على الجهل فهو من يختار الطريق الاسهل، طريق الاطمئنان السريع، حتى لو كان على حساب الفهم.
وفي النهاية، الفرق بين الاثنين واضح، حتى لو لم يعترف به اصحابه:
واحد يبحث عن النور ولو كلفه ذلك عناء،
واخر يفضل البقاء في الظل لانه اعتاد عليه.
أضف تعليق