لماذا لا تترجم هذه الآية؟

أثناء تدريسي العربية للناطقين بغيرها، أواجه مشهدا يتكرر كثيرا:
طالب مجتهد، منظم في تفكيره، يبدأ دائما من الصرف. يصرف الفعل في الماضي والمضارع والأمر، يبحث عن المصدر، ثم يعود إلى القاموس ليطمئن إلى المعنى، بعد ذلك يرفع رأسه قائلا: فهمت.
لكنني أعرف – في تلك اللحظة تحديدا – أنه لم يذق شيئا بعد.

أستحضر هذا الإحساس كلما وقفت عند قوله تعالى:

﴿فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا﴾
(يوسف: 80)

آية قصيرة جدا، ثلاث كلمات تقريبا، لكنها تختصر مشهدا نفسيا كاملا، مشهدا يصعب شرحه، ويكاد يستحيل نقله بلغة أخرى.

حين يعمل العقل… ويغيب الإحساس

الطالب غير العربي يتعامل مع كلمة «استيأسوا» بوصفها فعلا عاديا: جذر، وزن، معنى.
لكن صاحب الأذن العربية يسمع في هذه الصيغة شيئا آخر: يأسا لم يأت فجأة، بل تراكم، وبلغ نهايته بعد محاولات وانتظار ومراجع، صيغة الفعل نفسها تقول هذا، دون حاجة إلى شرح.

في الإنجليزية، يمكن ترجمة الكلمة إلى despaired أو lost hope. المعنى صحيح، لكن الإحساس مفقود؛ و كأننا نقلنا الخبر، وتركنا التجربة وراءنا.

«خلصوا»… أكثر من مجرد حركة

ثم تأتي كلمة «خلصوا».
في القاموس: ابتعدوا، انفصلوا.
لكن في العربية، الخلوص ليس حركة جسدية فقط، بل انسحاب نفسي. خروج من الضجيج إلى دائرة داخلية، حيث يفكر بصوت منخفض، وتتخذ القرارات الثقيلة.

حين أشرح هذا للطالب، ألاحظ لحظة تردد:
هو يفهم ما أقول، لكنه لا يستطيع أن يشعر به بالطريقة نفسها، وهنا تبدأ الأسئلة الحقيقية.

كلمة واحدة… ونفوس متعددة

أما كلمة «نجيًّا»، فهي أكثر ما يربك التفكير الميكانيكي.
مفرد يدل على جماعة، هل هو خطأ نحوي؟
لا؛ بل اختيار مقصود.

العربية هنا لا تعد الأشخاص، بل تصف حالتهم:
كأنهم نفس واحدة، هم واحد، سر واحد.

حين يبحث الطالب عن مقابل إنجليزي، يجد: secretly، in private.
كلمات تؤدي الوظيفة، لكنها لا ترسم الصورة. تشرح، ولا تشعر، وتعجز عن الوصول إلى الإحساس بالقيمة الجمالية المتعالية في اللغة العربية القرآنية.

ماذا أريد من الطالب إذن؟

لا أريده أن يتذوق الآية كما يتذوقها العربي؛ فهذا وهم.
ولا أريده أن يحفظ تفسيرا إنشائيا.

ما أريده هو أن يصل إلى هذه الجملة البسيطة:

أفهم المعنى، لكنني لا أشعر به بالطريقة نفسها.

هذه الجملة ليست فشلا في التعلم، بل بداية وعي لغوي حقيقي.
وعي بأن اللغة ليست قاموسا فقط، وأن بعض النصوص – وعلى رأسها القرآن – لا تفهم كاملة إلا من داخل لغتها.

الترجمة ليست المشكلة

كثيرا ما نحمل الترجمة ذنب هذا العجز، لكن الحقيقة أعمق من ذلك.
الترجمة تؤدي دورها: تنقل المعنى العام، وتقرب الفكرة.
لكنها لا تستطيع نقل الأثر، ولا إعادة إنتاج الذوق.

وهنا، بالضبط، يظهر وجه من وجوه الإعجاز اللغوي في القرآن:
أنه نص يمكن شرحه، لكن لا يمكن استبداله.

كلما عدت إلى هذه الآية، أدركت أن إعجازها لا يكمن في غرابة ألفاظها، بل في قدرتها على ضغط مشهد إنساني كامل في كلمات قليلة، وفي تذكيرنا بأن بعض المعاني تفهم بالعقل، لكن لا تعاش إلا بلغة واحدة.

ولهذا، ستظل الترجمة بابا للفهم، لكن العربية وحدها هي باب التذوق.

التعليقات

أضف تعليق