أين الفاعل في «يُعجبني»؟

درس لغوي من سؤال طالب

خلال أحد دروسي عن بعد في تعليم العربية للناطقين بغيرها، توقفت فجأة عند سؤال لم أكن أتوقعه، رغم بساطته الظاهرة. كنا نتحدث عن الأفعال في العربية، فقلت عرضا: «يُعجبني هذا الأسلوب». رفع أحد الطلاب يده وسألني:
«هذا فعل مضارع، فأين الفاعل؟ ولماذا تقدّم المفعول؟»

ترددت لحظة. ليس لأن الجواب غائب، بل لأن الجواب النحوي وحده لا يكفي.

كلمة واحدة… ومشهد كامل

نحن – أهل العربية – نقول يُعجبني دون أن نفكر كثيرا في تركيبها. لكن هذه الكلمة الصغيرة تحمل مشهدا كاملا: إعجاب يحدث، ثم يصل إلينا. لسنا نحن من “نُنتج” الإعجاب بقدر ما نقع تحت أثره، وتأثيره.

ولهذا، لا تبدأ الجملة بـ«أنا»، بل تنتهي بها.

لماذا يتأخر الفاعل؟

نحوا، الأمر واضح:

الفعل رباعي من أعجب يعجب إعجابا…
يُعجبُ فعل، وني مفعول به، والفاعل يأتي متأخرا:
يُعجبني هذا الكتاب.

لكن دلاليا، العربية تختار زاوية مختلفة عن لغات كثيرة أخرى. فهي لا تسأل أولا: من فعل؟ بل تسأل: ماذا حدث؟ وعلى من وقع؟

ولهذا نجد أفعالا كثيرة تسير على هذا النسق:

  • آلمني الخبر
  • أدهشني الموقف
  • أسعدني لقاؤك

في كل هذه الجمل، الإنسان يتلقى الشعور، ولا يصنعه.

مأزق الترجمة

حين حاولت شرح يُعجبني بالإنجليزية، وقعت في ورطة لطيفة. هل أقول:

I like؟

أم I admire؟

أم I find it appealing؟

كل اختيار صحيح جزئيا، لكنه يضيق المعنى، لأن العربية هنا لا تُلزمك بتحديد درجة الإعجاب ولا نوعه؛ إنها تترك المعنى مكثفا، مفتوحا، يعتمد على السياق والنبرة.

الترجمة لا تخطئ، لكنها تضطر إلى الشرح، بينما العربية تكتفي بالإشارة.

من درس اللغة إلى النص القرآني

هذا الأسلوب في التعبير لا يقتصر على الكلام اليومي، بل نجده حاضرا بقوة في القرآن الكريم، حيث يصور الإنسان في كثير من المواضع متلقيا للأثر لا مركزا للفعل، كما في قوله تعالى:

﴿{يَوْمَ لَا يَنفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ} [الروم: 52]﴾

الحدث يقع، والأثر يظهر، واللغة تصوغ ذلك بأقل عدد ممكن من الكلمات، دون أن تفقد عمق الصورة.

ماذا علمني سؤال الطالب؟

علمني أن اللغة ليست قواعد فحسب، بل طريقة لرؤية العالم، وأن سؤالا بسيطا مثل: «أين الفاعل؟» قد يخفي وراءه سؤالا أعمق:
من الذي تقف اللغة في صفه؟ الفاعل أم التجربة؟

أخيرا أقول: ليست المشكلة في يُعجبني أنها تخالف القاعدة التركيبية التي تعود عليها الطالب، بل إنها تكشف عن قاعدة أوسع:
العربية، في لحظات الشعور والتأثر، تقدم ما يقع في النفس على من أحدثه.

وحين نضطر في الترجمة إلى إطالة ما اختصرته العربية، ندرك أن بعض المعاني لا تنقل كاملة، لأنها ليست معنى فقط، بل طريقة في القول.

توقيع الزهراوي.  يوم: 18/12/2025 الذي يصادف ذكرى اليوم العالمي للغة العربية.

التعليقات

أضف تعليق