الإعجاز اللغوي في القرآن الكريم وسؤال الترجمة

مدخل شخصي – لغوي

لم يأت انشغالي بسؤال الإعجاز اللغوي في القرآن الكريم من فراغٍ نظري، ولا من تأمل مكتبي محض، بل تشكل تدريجيا أثناء تجربتي في تعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها عن بعد، حين وجدتني مرارا في مواجهة سؤال عملي بسيط في ظاهره، عميق في أثره:
كيف أقول هذا بالعربية؟ وكيف يمكن ألّا يقال بغيرها؟

في أثناء الشرح، وخصوصا عند الانتقال من العربية إلى الإنجليزية أو الهولندية أو الفرنسية، كنت ألاحظ أن بعض التراكيب العربية – ولا سيما تلك التي تقوم على صور المجاز وشدّة الإيجاز، فتقاوم النقل مقاومة صامتة؛ كلمة واحدة في العربية كانت تتطلب شرحا، أو جملة كاملة، أو اختيارا قلقا بين احتمالات دلالية متجاورة في اللغة الأخرى. ولم يكن هذا العجز ناتجا عن ضعف في أدوات الترجمة التي أصبحت متاحة أكثر مع التقدم التقني ثورة الذكاء الصناعي، بقدر ما كان كاشفا عن طبيعة خاصة للغة العربية حين تبلغ أقصى طاقتها التصويرية.

هذا الإحساس يتضاعف حين يكون النص قرآنيا. فالصورة القرآنية لا تقوم على التخييل وحده، بل على ضغط المعنى في بنية لغوية قصيرة، حيث تتواطأ الأصوات، والتركيب، والإيقاع، والإيحاء، لتشكل معنى لا يمكن فصله عن صورته اللفظية، وعند محاولة نقل هذا كله إلى لغة أخرى، لا يضيع المعنى تماما، لكنه يتمدد، ويفقد حدته، وتبهت صورته، فنصبح وكأننا نعرض مشهدا عالي الدقة بعد تكبيره خارج إطاره الطبيعي.

ومن هنا بدأ يتبلور السؤال الذي يقف خلف هذا المشروع:
هل عجز الترجمة عن نقل بعض الصور اللغوية القرآنية عجز تقني، أم أنه دليل على أن المعنى في القرآن ليس سابقا على اللغة، بل متشكلا وملتبسا بها؟

لقد أدركت، من خلال تفاعلي مع المتعلمين غير العرب، أثناء تدريس اللغة العربية أن الترجمة لا تفشل دائما لأنها خاطئة، بل لأنها مضطرة إلى الاختيار، في حين أن اللفظ القرآني يجمع ما لا يجتمع في لغة أخرى: الإيجاز والتكثيف، الصورة والحكم، الإيحاء والتقرير. وهذا ما يجعل الترجمة – مهما بلغت دقتها – مرآة ناقصة، لكنها صادقة في إظهار حدودها.

حتى وإن تم الاستعانة بأفضل المعاجم والقواميس ك: [هانزوير] أو [إشتال] وغيرهما …

هذا المشروع ليس دفاعا عن اللغة العربية بدافع الهوية، ولا مطالبة بامتياز ثقافي، بل محاولة لفهم ما يحدث حين يبلغ النص ذروة اندماج المعنى باللغة. وسيحاول، عبر تأملات لغوية وتجارب ترجمية حية، الوقوف عند مواضيع مع بعض الآيات في القرآن الكريم، لا لإثبات استحالة الترجمة، بل لفهم ما تكشفه هذه الاستحالة عن طبيعة الإعجاز اللغوي نفسه.

في اليوم العالمي للغة العربية، يأتي هذا المشروع بوصفه شهادة تجربة قبل أن يكون أطروحة، وسؤال تعليم قبل أن يكون تقريرا نظريا:
ماذا نفقد حين نطيل ما اختصره القرآن؟ وماذا نتعلم من هذا الفقد؟

توقيع: الزهراوي

التعليقات

رد واحد على “الإعجاز اللغوي في القرآن الكريم وسؤال الترجمة”

أضف تعليق