«كيف ننقذ العربية من الفجوة اللغوية؟ الحقيقة بين الفصحى المعيارية والفصحى المحكية

تتّسع في السنوات الأخيرة الفجوة بين الفصحى المعيارية—لغة الكتب والوثائق الرسمية—وما يمكن تسميته بـ الفصحى المحكية أو الفصحى المبسّطة التي نسمعها في الإعلام والمنصّات الرقمية. ولم يعد هذا التباعد مجرد ظاهرة لغوية عابرة، بل بات همًّا لغويًا حقيقيًا يضع العربية أمام سؤال جوهري:
هل يمكن أن تكون لغة للحياة اليومية دون أن تفقد أصالتها؟
وهل نحتاج فعلًا إلى طبقة وسيطة تُقرّب بين الفصحى الرفيعة ولغة الناس؟

في هذا المقال نناقش جذور هذا الإشكال، وواقعه، وحلولَه الممكنة، مع أمثلة توضّح الصورة.

أولا: طبقات اللغة العربية اليوم

1. الفصحى المعيارية

هي اللغة المكتوبة الرفيعة:

  • لغة الكتب المدرسية
  • لغة الأبحاث الجامعية
  • لغة الخطب الرسمية

تتميز بالدقة، وبالتراكيب الطويلة، وبمفردات قد تبدو بعيدة عن التداول.

مثال:
“تتجلّى إشكالية الخطاب المعرفي المعاصر في انفصاله عن المرجعيات التداولية للمجتمع.”

2. الفصحى المحكية أو المبسّطة

هي الفصحى المتداولة في الإعلام والنقاشات الثقافية:

  • تراكيب قصيرة ومباشرة
  • مفردات أكثر ألفة
  • تساهل محدود في الإعراب الشفهي

مثال:
“نواجه اليوم مشكلة في وصول المعرفة إلى الناس لأن اللغة في الكتب صعبة عليهم.”

3. العامية

لغة الحياة اليومية، تختلف من بلد لآخر، غنية بالتعابير، لكنها غير جامعة للناطقين بالعربية.

مثال:
“الكتب صارت صعبة علينا!”


ثانيا: أسباب اتساع الفجوة بين الفصحى ولغة الناس

1. تناقض البيئات اللغوية

الطفل يعيش في ثلاث لغات:
لغة البيت (عامية)، ولغة المدرسة (فصحى معيارية)، ولغة الإعلام (فصحى مبسّطة).
هذا التشتّت يضعف العلاقة بالفصحى المدرسية.

2. تسارع الحياة المعاصرة

الإيقاع السريع يفرض لغة مباشرة وسهلة، فيقلّ استخدام الأسلوب المعياري.

3. اللغة في التعليم الرسمي

تُكتب الكتب المدرسية بلغة أثقل مما ينبغي، فيَنفِر المتعلم من الفصحى نفسها.

4. غياب مشروع لغوي موحد

لا اتفاق عربي واضح حول كيفية تعليم الفصحى أو توظيفها في الإعلام، مما يزيد الفوضى اللغوية.


ثالثا: ما معنى “الطبقة اللغوية الوسيطة”؟

ليست لغة جديدة، بل فصحى سليمة مبسّطة تناسب الكلام والكتابة اليومية دون أن تهبط إلى العامية أو تتقيد بأساليب الفصحى المعيارية الثقيلة.

خصائصها:

  • جمل قصيرة وواضحة
  • مفردات فصيحة مألوفة
  • تخفيف التشدّد الإعرابي في الكلام الشفهي
  • الابتعاد عن التكلف البلاغي
  • الحفاظ على هوية الفصحى وموسيقاها

رابعا: تجارب لغات أخرى – مثال من اللغة الهولندية

تقدّم الهولندية مثالًا مهمًا لإدارة التنوّع اللغوي دون صراع:

الهولندية الرسمية (Standardnederlands)

لغة التعليم، الكتب، النشرات الرسمية والخطب.

الهولندية اليومية أو الوسطى (Tussentaal / omgangstaal)

  • لغة وسطى منتشرة في شمال بلجيكا وهولندا
  • مبسطة في التراكيب
  • أكثر حيوية في الاستعمال
  • يُستخدم جزء كبير منها في الإعلام

اللهجات المحلية (Dialekten)

لهجات مختلفة تعيش بتناغم مع اللغة الرسمية دون إقصاء.

الخلاصة:
النظام الهولندي يشرعن التنوع اللغوي ويجعل كل مستوى يخدم غرضا محددا.
وهذا أحد أسرار حضور الهولندية في الحياة اليومية دون صدام بين مستوياتها.


خامسا: هل الطبقة الوسيطة حل فعلي؟

فوائد محتملة:

  • جعل العربية أقرب وأسهل للمتحدثين الجدد
  • تحسين الفهم والقراءة لدى الطلاب
  • تقليل الفجوة بين لغة الكتب ولغة الإعلام
  • تعزيز حضور الفصحى في الحياة اليومية

مخاطر محتملة:

  • احتمال انزلاق الفصحى المبسطة نحو العامية
  • ضعف التمسك بالفصحى المعيارية
  • تعقيد المشهد اللغوي إذا لم تنظم العملية

سادسا: – أين يكمن الحل الحقيقي؟

المشكلة ليست في الفصحى، بل في طريقة تدريسها وتداولها.
الفصحى قادرة على مواكبة العصر، لكننا نحمّلها أحيانًا أساليب متخشبة تُبعد الناس عنها.

مقترحات عملية:

  1. إعادة كتابة الكتب المدرسية بلغة فصيحة واضحة
  2. تشجيع الإعلام على استعمال فصحى مبسّطة وصحيحة
  3. تعليم اللغة عبر الاستعمال، لا عبر الجداول والإعراب وحده
  4. إبراز جماليات الفصحى الحقيقية بدل الاهتمام بالشكل على حساب المعنى

أمثلة مقارنة بين المعياري والمبسط

مثال 1

صياغة معيارية:

“إن تراجع المهارات القرائية لدى الطلاب يعود إلى عوامل بنيوية متراكبة، في مقدمتها ضعف المناهج التعليمية.”

صياغة مبسطة:

“تراجع مهارات القراءة عند الطلاب سببه عوامل كثيرة، أهمها ضعف المناهج.”

مثال 2

صياغة معيارية:

“لقد أصبح الانفصال بين اللغة المتداولة وبين اللغة التعليمية قضية تُقلق المختصين في الشأن اللغوي.”

صياغة مبسطة:

“صار الفرق بين لغة الناس ولغة التعليم مشكلة تقلق خبراء اللغة.”

لا يمكن أن تبعث العربية من جديد بتقديسها حتى التخشب، ولا بتركها حتى تذوب في العاميات، بل بإعادتها للناس لغة سهلة، حية، واضحة، وأصيلة.
لسنا بحاجة إلى هدم الفصحى ولا إلى خلق لغة هجينة، بل إلى تفعيل الفصحى المبسّطة لتكون لغة المدرسة والإعلام والمجتمع.

وهكذا تعود العربية لغة للحياة، لا لغة للمنابر والكتب فقط.

التعليقات

أضف تعليق