الحياء اللغوي المفقود

الكلمة عنوان صاحبها، واللسان مرآة القلب، وذلك هو ما يعكس القيم والأخلاق المجتمعية التي أخذت تتهاوى في مجالس الناس اليوم، حتى غدا سيل الألفاظ النابية يندس في الأذن كما يندس الغبار في الهواء؛ خفيا أول الأمر، ثم ما يلبث أن يتحول إلى عاصفة تهدد صفاء الروح وسكينة البيوت.

لقد أضحى المرء يسمع في الطريق، وفي المجالس، بل وربما في داره عبر نوافذ مفتوحة على الشارع، كلمات ما كان يسمح لها يوما أن تتخطى الشفاه حياء أو أدبا أو خوفا من نظرة مستنكر أو عاتب.

وهذا الانحدار الأخلاقي ليس حدثا عابرا، بل هو مؤشر خطير على ما قد تفضي إليه موجات التطبيع مع الدناءة اللفظية من تآكل للضمير الجمعي. فالكلمة النابية ليست مجرد صوت يطلق، بل هي سهم ينغرس في الوجدان، يشوه الذوق العام، ويعتاد به السامع ما ليس من الفطرة السليمة في شيء، فإن اعتاد الناس القبح في القول، ألفوا القبح في الفعل، وتساوى في ميزانهم الشريف والوضيع، والصالح والطالح، وانفرط العقد الذي تنتظم به حياة المجتمعات.

إن الأخلاق إذا تردت تردى معها كل شيء: تضعف الهيبة، وتخفت المروءة، ويهدر الاحترام المتبادل الذي هو عماد التعايش، وقد علمتنا التجارب أن الأمم لا تنهض بثراء أرضها، ولا بسعة عمرانها، ولكن بسموّ أخلاق أفرادها؛ فإذا تخلخلت هذه القاعدة اهتز بنيان المجتمع وإن بدا ظاهره مزدهرا قويا.

ومن الواجب اليوم أن يستعاد الاعتبار للكلمة، فهي سفيرة الفكر، ورسول التربية، وميزان رقي الإنسان؛ إذ لا بد من أن ينهض الآباء والمربون والمعلمون بأدوارهم في غرس الحياء اللغوي في نفوس الناشئة، وقبل ذلك عليهم أولا أن يتخلصوا مما علق بألسنتهم مما لا يقبل من الكلام الفاحش، وأن يعاد تشكيل الذائقة الجمعية بحيث تستنكر القبح وتستحي منه، وتقف في وجهه لا بحدة أو صدام، ولكن بحكمة ولطف وصبر جميل.

فليكن لكل واحد منا حارس على لسانه، وليعلم أن في كل كلمة خبيثة أثرا قد يبقى بعده زمنا، كما أن المجتمع الذي يقدس الكلمة الحسنة لا يخشى عليه من الانهيار، لأنه يحفظ بذلك جوهر إنسانيته، ويصون قيمه من التردي والانحلال.

وما أحوجنا اليوم إلى أن نسترد بريق الكلمة الطيبة، وأن نعيد إلى المجالس وقارها، سواء كانت تلك المجالس ذات طابع رسمي أو غير رسمي، كي تعود إلى البيوت سكينتها، وإلى الشوارع احترامها. فالأخلاق ليست زينة اختيارية نتجمل بها متى نشاء، بل هي الصراط الذي إن انحرفنا عنه ضللنا الطريق كله، وإن تمسكنا به أضاء لنا دروب الحياة، ورفعنا في عين الله والناس.

التعليقات

أضف تعليق