حين يختنق الحرف… مأساة أستاذ البلاغة في زمن التعثرات اللغوية

الأستاذ يدخل قسمه كل صباح كما يدخل العاشق معبده؛ يحمل بين يديه نور البلاغة، وفي قلبه يقين بأن العربية لا تزال قادرة على أن تورق وتزهر مهما جفت الحقول، إلا أنه ما إن يفتح دفاتر تلامذته، أو يطلع على ما يكتبون حتى يتبدد ذلك اليقين كغمامة خفيفة، وينحدر إلى نفسه شعور بالخذلان لا يجارى، فهؤلاء الذين بلغوا عتبة الثانوي التأهيلي، ما زال كثير منهم لا يفرق بين اللام الشمسية واللام القمرية، ولا يدركون من الإعراب إلا اسمه الذي يكرهونه للأسف الشديد،  ولا من قواعد العربية إلا شبحا يمر أمام أعينهم مرورا ضبابيا عابرا.

كان يرقب كلماتهم وهي تتعثر على الورق كما يتعثر غريب في طريق لم يألفه؛ حروف تائهة، وجمل مكسورة، ومعان تذبح قبل أن تولد، وكلما حاول أن يفتح لهم بابا إلى عالم البلاغة، وجد نفسه يعود إلى أبجديات كان ينبغي أن تحسم منذ سنوات… كيف يشرح لهم الفرق بين التشبيه البليغ والمؤكد والمرسل، بل كيف يوضح لهم جمال الاستعارة، وهم لا يحسنون بناء جملة فصيحة؟ كيف يحدثهم عن دهشة المجاز، وهم بعد لم يملكوا مفاتيح اللغة التي تتيح لهم أن يعقلوا ما وراء الكلمات؟

 في قلبه وجع مكتوم؛ وجع على لغة تنتهك بلا قصد، وتهمل بلا وعي، حتى غدت كطائرٍ مجروح يحاول الطيران بجناح مكسور. يرى العربية تداس بأخطاء صغيرة، لكنها في مجموعها تصيب روحها في مقتل، فيشعر أن نياط قلبه تقطع حسرة على ما آل إليه حال جيل يفترض أن يكون وارثا لضياء هذه اللغة لا شاهدا على انطفائها.

ومع ذلك، فهو لا يريد أن يكون جزءا من هذه الكارثة الصامتة؛ يرفض أن يقف موقف المتفرج، أو أن يسلم للواقع بانحداره؛ يؤمن أن دوره أبعد من أن يشرح درسا، أو أن يصحح ورقة فرض كتاب محروس بأخطاء فادحة وفاضحة لمنظومة تخلت عن دور غرس العلم والمعرفة في عقول الأجيال في مقابل نسبة عدد الناجحين التائهين؛ أو أن يكتب علامة في دفتر أو ما يشبه الدفتر. كان يرى نفسه جزءا من حل يليق بالعربية: حل يعيد إليها مكانتها في القلوب قبل العقول، ويوقظ في طلابه ذلك الومض القديم الذي عرفته الأمة يوم كانت الكلمة سلاحها، والبيان تاجها، والفصاحة صراطها المستقيم.

ولذلك ظل يمضي في طريقه بإصرار هادئ؛ يصلح ما استطاع، ويرأب ما انكسر، ويزرع في كل درس بذرة أمل، كان يؤمن أن اللغة التي حفظت تاريخ أمة بأكملها قادرة على أن تشفى من جراحها، إن وجدت من يرعاها بحب صادق، وصبر طويل، وإرادة لا تستدرج إلى اليأس.

وهكذا بقي واقفا، كحارس للضوء في زمن كثرت فيه العتمات، يردد في سره: إن العربية لن تموت ما دام في الأمة من ينهض بها… ولو من قلب فصل منهك.

التعليقات

أضف تعليق