سألني أحد الطلبة الباحثين مؤخرا عن سبب اختلاف النحويين البصريين والكوفيين في تقدير المحذوف في قوله تعالى:
﴿أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ﴾ [الحجرات: 6]
فأقول وبالله التوفيق: هذا الاختلاف يكشف – لمن يتأمله – عن جذور منهجية عميقة، تتجاوز حدود الصناعة النحوية إلى الخلفيات العقلية والمعرفية والأصولية لكل من المدرستين، فبالرغم من اتفاقهما في إطار التحليل اللغوي العام، إلا أن اختلافهما في تقدير المحذوف هنا يمثل نموذجا دقيقا لفلسفة كل مدرسة في التعامل مع النص القرآني وكشف العلل النحوية.
حيث ذهب الكوفيون إلى تقدير:
«لِئَلّا تُصِيبوا قوما بجهالة»،
بينما رأى البصريون تقدير:
«كراهيةَ أن تصيبوا» أو «خشيةَ أن تصيبوا».
أولا: الخلفيات التي وجّهت منهج البصريين
قبل التطرق للمسألة لا بد من توطئة موضحة للخلفية الفكرية والمعرفية والعقدية لكل مدرسة، وذلك في الإطار العام، وليس بدقة تامة، حيث يمثل منهج البصريين المسار الأكثر عقلانية في النحو العربي؛ إذ يتميز بالبحث عن العلة الغائية الدقيقة، والنزوع إلى التقعيد والضبط، لذلك فهم يفضلون التقديرات التي ترتبط بـ: :الدافع الداخلي للفعل أو الغرض النفسي، ومن هنا اختاروا تقدير:
«خشية» أو «كراهية».
الأسس المعرفية
- اعتماد العقل التحليلي في التفريق بين صيغ الغاية وطرائق توجيه المعنى.
- النظر إلى التركيب بوصفه منظومة دلالية مترابطة تحتاج إلى رابط منطقي يحقق الاتساق.
الأسس الأصولية
تغليب القياس على السماع عند الاختلاف.
- اعتبار الغاية جزءًا من العلة النحوية، مما يجعل صيغة المصدر (خشية/كراهية) أنسب في باب المفعول لأجله.
- الحرص على تقدير ما يضمن الانسجام المعنوي ويزيل ما قد يُتوهم من غموض في السياق.
ولذلك بدا للبصريين أن تقدير «خشية» أو «كراهية» أقرب إلى مقام التحذير الذي وردت فيه الآية.
ثانيا: الخلفيات التي وجهت منهج الكوفيين
يتسم منهج الكوفيين بالنزعة السماعية القائمة على تتبع ما روي من كلام العرب بلا مغالاة في التعليل، لذلك مالوا إلى تقدير «لِئلّا» لأنه الأسلوب الشائع في لسان العرب للدلالة على الاحتراز ومنع وقوع الفعل.
الأسس المعرفية
- الاعتماد على اللغة كما نقلت، مع عدم الإكثار من التقديرات الذهنية.
- قبول التوسع في الأساليب والعبارات ما دام لها شواهد سماعية.
الأسس الأصولية
- تقديم السماع على القياس عند التعارض.
- تفسير الغاية من زاوية النتيجة المتوقَّى وقوعها وليس الدافع النفسي للفعل.
- عدم التشدد في تقدير المحذوف ما دام التركيب يؤدي وظيفة بلاغية مقبولة.
ومن هنا كان تقدير «لِئلّا» طبيعيا ومتسقا مع المنهج الكوفي.
ثالثا: أمثلة إضافية تبرز اختلاف المنهجين
لا ينحصر هذا التباين المنهجي في آية واحدة، بل يمتد إلى مواضع أخرى، قرآنية وشعرية، تجلي اختلاف الرؤيتين:
1. قوله تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾
- البصريون: يقدّرون «أهل القرية» لاعتبارات عقلية ودلالية.
- الكوفيون: يبقون اللفظ على ظاهره دون تقدير، اعتمادا على السماع والمجاز.
2. قوله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾
- البصريون: يقدّرون «أمر ربك» أو «قضاؤه» رفعا للإشكال.
- الكوفيون: يكتفون بحمل اللفظ على التوسع البلاغي.
3. قوله تعالى: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ﴾
- البصريون: يقدّرون «أمم من أرسلنا» منعا لتوهم غير المراد.
- الكوفيون: لا يرون ضرورة للتقدير، مكتفين بالسياق البلاغي.
يظهر هذا الاختلاف أن النحو العربي ليس مجموعة أحكام شكلية، بل هو مرآة لخلفيات معرفية وأصولية شكلت رؤية كل مدرسة للغة ودلالاتها، فقد بنى البصريون تحليلاتهم على العقل والقياس والعلل، بينما أسس الكوفيون منهجهم على السماع والتداول اللغو، ومن هنا تنوعت مسالكهما في تقدير المحذوف وفهم الغايات والأغراض البلاغية.
ويبقى هذا التنوع مصدر ثراء في الدراسات اللسانية العربية، وفرصة للباحثين لفهم عمق التراث النحوي وتعدد آلياته في قراءة النصوص، خاصة النص القرآني.
أضف تعليق