كأن الفصحى ــ وهي أم الألسنة وبنت البيان ــ قد أضحت غريبة في دارها. نسمعها في الخطب والأنشودة المدرسية، ثم نطويها عن ألسنتنا في حديث المقهى ومجلس الصداقة، كأنّها زينة المناسبات لا لغة الحياة.
فهل يعقل أن نخجل من لساننا الذي نفكر به، ونستحي من نغمة الحروف التي سكنت أرواحنا منذ الطفولة؟
لقد تسلل إلى وعينا ــ شيئا فشيئا ــ أن التحدّث بالعربية الفصحى نوع من “التكلف”، وأن الانفتاح على العالم يقتضي أن نُهَجن لساننا بمزيج من الأعجمي والمكسور؛ وحين غلبت علينا العاميات المتأثرة باللغات الأجنبية، انكمش الحضور الفصيح حتى في مواطن الفكر والجامعة، صار بعض أبنائها يتلجلجون في لفظها، ويستثقلون نحوها، كأنّهم يُلقون تحيةً على زمن بائد لا على لغة حيّة.
لكن الحقيقة أبعد من ذلك وأجمل، فالعربية ليست مجرد وسيلة تواصل، بل هي ذاكرة الأمة وضميرها الجمعي. هي التي حملت أسماءنا وأحلامنا، ونقلت إلينا فلسفة الحياة من شعر امرئ القيس إلى آهات درويش. وحين تتحدث الفصحى، فأنت لا تستدعي ألفاظا جامدة، بل توقظ تاريخًا يسري في دمك دون أن تشعر.
إن الخجل من لغتنا ليس خجلا من نحو أو صرف، بل خجل من الذات. ومن يخجل من لغته، يخجل من صورته في مرآة التاريخ؛ فكم من أمة اعتزّت بلسانها فارتقت، وكم من أمة أضاعته فضاعت ملامحها في زحمة الأصوات المستعارة، كما ذكر حافظ إبراهيم رحمه الله.
الفصحى لا تطلب منا أن نحفظها في القواميس، بل أن نحبها في الشارع، في الإعلان، في الدرس، في الشاشة، في الحلم، أن نتحدثها ببساطة لا بتصنع، بثقة لا بخوف، كمن يستعيد نبض قلبه لا كمن يستحضر لغة ميتة.
فإذا عادت العربية إلى الحياة اليومية، عاد معها الإحساس بالانتماء، واستقامت الروح على وزنها الإيقاعي الجميل الجليل.
لذلك، لنرفع رؤوسنا حين ننطق بها، ولنرب أولادنا على أن الفصحى ليست لغة الماضي بل لغة الكرامة والهوية. فالذي يتقن لغته، لا يفقد نفسه مهما تنقل بين اللغات.
ولعل أجمل ما نختم به، قول أحد البلغاء:
“من أحب لغته أحب وجوده، ومن استحيا منها استحيا من نفسه”
أضف تعليق