حين تذبح اللغة العربية على أبواب المؤسسات: عن “الإمتحانات” التي فضحت خللا أعمق

مررت ذات يوم بباب مؤسسة تعليمية عمومية كتب عليها: “المركز الإقليمي للإمتحانات”، وما شدني إلى التوقف عليها ليس هالة الجهة ولا أهمية الاختبارات التي تشرف عليها، بل ذلك الخطأ الإملائي الفادح الفاضح في كلمة “الامتحانات”، حيث كتبت بهمزة مكسورة تحت الألف،

قد يبدو للبعض أن الأمر بسيط، لكن من يقدّر اللغة يدرك أن الخطأ هنا ليس إملائيا فحسب، بل رمزيا ومؤلما في عمقه ودلالاته.

كيف نثق في مؤسسة وظيفتها تنظيم الامتحانات والتقويم والتصحيح، وهي تعجز عن كتابة اسمها بشكل سليم؟

ما الذي تبقى من الهيبة العلمية حين تذبح اللغة على مدخل مركز يفترض أنه حارس الجودة التعليمية؟

بل كيف نقنع أبناءنا بأهمية القواعد الإملائية وهم يرون اللافتات الرسمية تسير في الاتجاه المعاكس لما ندرسهم في الفصول؟

نحن لا نتحدث هنا عن منشور على وسائل التواصل، ولا عن سبورة نسي المعلم تصحيحها، بل عن لافتة رسمية دائمة، تمر تحتها مئات الأطر والطلبة كل يوم، وتعلق على جدار مؤسسة تعتبر مرجعا تربويا.

فهل من المعقول أن تمر مثل هذه الأخطاء دون تدقيق أو مراجعة؟ ألا يوجد في المؤسسة من يجيد كتابة الكلمة؟ أم أن العربية أصبحت في ذيل الأولويات حتى في مواضعها الرسمية؟

في البلدان التي تحترم نفسها، لا تُقرّ لافتة قبل أن تمرّ على مدقق لغوي، لأن اللغة هناك ليست شكلاً فقط، بل مضمونًا حضاريًا. أما في بلداننا، فكأن اللغة العربية تُعامل وكأنها عبء، لا ميزة.

إنّ الخطأ في كلمة “الامتحانات” ليس مجرد همزة في غير موضعها، بل هو اختزال لمشهد أكبر من الإهمال اللغوي، الذي يعكس إهمالا للهوية، واستخفافا بالرموز، وتفريطا في قيمة من أعز ما نملك.

نحتاج إلى يقظة لغوية حقيقية، تبدأ من احترام الحرف العربي، ولافتات المؤسسات، وتمر عبر تدقيق كل وثيقة، ولا تنتهي إلا حين تصبح العربية واجهة مشرفة لا موضع سخرية.

أيها المسؤولون، لا تجعلوا من الأخطاء الإملائية سمة مؤسساتكم.

أيها المعنيون بالشأن التعليمي، لا تكتفوا بتدريس اللغة في المقررات، بل اجعلوها منارة في الواقع، تبدأ من أبواب مؤسساتكم.

لأن من يكتب “الإمتحانات” بهمزة تحت الألف، عليه أن يعيد هو نفسه اختبار الانتماء. وكتبه الزهراوي يوم 15/10/2025