في زمن تتسارع فيه خطى الأمم نحو النهضة العلمية والمعرفية، اعتمد العالم كله على الترجمة والتعريب بوصفهما جسرين ضروريين للتواصل مع العلوم الحديثة، دون أن يفرط في لغته الأم، التي تشكل الوعاء الأصيل للهوية، والمرآة العاكسة للفكر، والمنطلق الطبيعي للإبداع؛ إلا أن المفارقة المؤلمة أن بعض البلاد الناطقة بالعربية اختارت طريقا مغايرا، حين آثرت استيراد اللغات الأجنبية لا كوسيلة، بل كغاية، فجعلتها لغة التعليم، ومفتاحا وحيدا للعلم، وجسرا إجباريا للارتقاء، ولو على حساب اللغة الأم.
في قلب هذا المشهد القاتم، يتجلى ما يمكن تسميته بـ**”القهر اللغوي”**، حين يجبر الطالب العربي على تحصيل العلوم بلغة أجنبية، لا يتقنها بطبيعته، ولا يشعر تجاهها بأدنى ألفة، فيغدو الفهم ثقيلا، والتعبير أعوج، والإبداع متعثرا، لا لقصور في الذكاء، بل لعجز في الأداة، إن المرء حين يطلب منه أن يفكر، ويحلل، ويبدع بلغة غير لغته، فكأنما ينتزع من تربة ذاته، ويغرس في أرض لا يعرفها، ولا تعرفه.
رأيت هذا القهر ماثلا في عيني ابني وهو طفل في العاشرة، يقلب صفحات كتاب في الرياضيات مكتوب بلغة فرنسية لا يدرك من بنيتها شيئا، فيجاهد لا لفهم الفكرة، بل لفك طلاسم اللغة التي كتبت بها الفكرة، إن التعليم حين يتحول إلى عملية ترجمة مستمرة داخل عقل المتعلم فإنه يفقد جوهره، ويصبح عبئا بدلا من أن يكون محركا للوعي.
إن ازدواجية اللغة في التعليم لا تنتج عقولا مزدوجة اللغة، بقدر ما تنتجه هو تلك العقول المشروخة التي تظل عالقة بين لغتين: لغة يدرسون بها، ولغة يشعرون بها.
وتزداد الفجوة حين تهمش اللغة العربية في العلوم، ويروج لها بوصفها لغة تراثية، أدبية، لا تصلح لسبر أغوار العلم الحديث، ولا لاحتضان التكنولوجيا، وكأن اللغة العربية لم تنجب الخوارزمي وابن الهيثم وابن سينا والفارابي، ولم تستخدم لقرون في تدريس الطب والهندسة والفلك والفلسفة في أزهى عصور الحضارة.
أي قهر أعظم من أن يطلب من المتعلم العربي أن يجيد لغة غير لغته حتى يعد يعد “ناجحًا”، بينما ينظر إلى لغته الأم كعائق؟! وأي اغتراب أعمق من أن يعيش الإنسان في وطنه، لكنه يدرس ويقيم ويهمش بلغات وافدة، بل يطلب منه أن يبجلها أكثر من لغته، وكأنها مفتاح التقدم الوحيد؟
إن القهر اللغوي ليس مجرد قضية تعليم، بل هو قضية هوية وكرامة وسيادة. فحين تمجد لغة المستعمر المحتل القديم الجديد، وتقصى اللغة الوطنية، فإننا نعيد إنتاج الهزيمة بثوب أكاديمي.
ولا عجب أن تنشأ أجيال لا تشعر بالانتماء العميق إلى ثقافتها، ولا تعتز بلغتها، بل تستحي أحيانا من استخدامها في المحافل العلمية أو الاجتماعية.
ليست المشكلة في تعلم اللغات الأجنبية، فهي ضرورة لا جدال فيها، ولكن المشكلة تكمن في أن تصبح اللغة الأجنبية بديلا عن اللغة الأم، لا أداة مكملة لها. اللغة الأجنبية يجب أن تتعلم كوسيلة للانفتاح، لا كمعيار للارتقاء، ويجب أن تبقى اللغة الأم هي المنصة الأولى للفكر، والتعبير، والتعلم، لأنها الأقدر على اختزال التجربة الشعورية، ونقل المعنى، وبناء المعارف.
بنا على ما تقدم: إن مواجهة القهر اللغوي لا تكون بالشكوى وحدها، بل تتطلب مشروعا نهضويا متكاملا لإعادة الاعتبار للغة العربية، يبدأ من التعريب الجاد للعلوم، ويمر بتكوين معاجم ومصطلحات علمية دقيقة، وتطوير مناهج اللغة، وتدريب المعلمين، ولا ينتهي إلا حين تصبح العربية لغة العلم والفكر والإبداع، لا مجرد مادة للنجاح أو الرسوب.
وحينها فقط، يستطيع الطفل العربي أن يدرس ويبدع دون أن يطلب منه أن يفكر بلغة غير لغته، أو أن يترجم روحه قبل أن يترجم المفاهيم والمصطلحات والمعاني.