المتحدث الجيد صاحب فكر سليم.

يجمع أرباب البلاغة وفلاسفة اللغة على أن القدرة على التعبير الجيد لا تنبع من حسن النطق أو تنميق الألفاظ فحسب، بل من صفاء الذهن واستقامة الفكر فالمتحدث الجيد، في جوهر أمره ليس من يحسن إدارة لسانه فحسب، بل من يحسن إدارة عقله قبل ذلك، لأن اللغة ليست سوى أداة تعكس ما يجري في باطن الفكر من عمليات تحليل وتركيب وتقييم.

والحق أن العلاقة بين التفكير واللغة علاقة جدلية متشابكة، فكما أن اللغة تسهم في تشكيل الفكر، فإن جودة التفكير هي التي تضبط اللغة وتمنحها اتساقها الداخلي ومنطقها البياني، وبناء على ذلك فإن المتحدث الذي يعاني من اضطراب في منظومته الفكرية، لا يستطيع – مهما بلغ من الطلاقة – أن يقنع مستمعيه أو يلامس عقولهم، لأنه يعبر عن أفكار مفككة، متناقضة، أو غير ناضجة.

ولئن قيل إن “البلاغة في الإيجاز”، فإن هذه البلاغة لا تتحقق إلا حينما يكون الفكر منقى من الحشو، مرتبا في تسلسله، مراعيا مقتضى الحال. فالإيجاز بلا وضوح تقصير، والإطناب بلا حاجة تطويل ممل، وكلاهما يفضي إلى ضعف في التواصل وفقدان التأثير، لذلك فإن المتحدث الجيد هو الذي يدرك مقتضيات المقام، ويحسن ترتيب حججه، ويزن كلماته بميزان الحكمة، ولا يترك لسانه يسبق ذهنه.

وما يقال في هذا السياق لا يقتصر على لغة بعينها، بل هو أمر ينسحب على جميع اللغات، إذ إن اللغة، أيا كان نظامها، لا تجدي نفعا إذا لم تكن مسنودة بعقل نابه، وبفكر ناضج يميز بين الغث والسمين، ويدرك دلالات الألفاظ، وسياقات المعاني، ومسالك الحجاج؛ والمتأمل في أعلام الخطابة والبيان، سواء في التراث العربي أو في غيره من الثقافات، يجد أنهم كانوا – قبل أن يكونوا فصحاء – مفكرين، حذقوا أدوات العقل، فأجادوا التعبير عنه.

وعليه، فإن من رام امتلاك ناصية البيان، فليبدأ أولًا بتقويم أدوات تفكيره، وتنمية قدراته العقلية، وتدريب ذهنه على المنهج، قبل أن يلهث وراء زخرف القول أو بهرجة الأسلوب فالكلمة، إن لم تكن مسندة بفكرة متماسكة، فإنها لا تعدو أن تكون صدى أجوف، مهما تجملت وتزينت.

ختاما: إن صلاح اللسان من صلاح الجنان، وإن من أراد أن يكون متحدثا جيدا، فليكن مفكرا جيدا أولا؛ فبقدر ما يسمو الفكر، تسمو اللغة، ويترقى الإنسان في مدارج البيان.