التداوليات: فن الكشف عن المعاني الخفية

ليست اللغة مجرد ألفاظ تقال، بل هي أفعال تمارس، ومقاصد تُخفى، ونوايا تُشفر تحت سطح الكلام. وهنا تبرز التداوليات، ذلك الفرع العميق من علم اللسانيات، الذي ينقلنا من ظاهر الخطاب إلى باطنه، ومن المعنى الحرفي إلى المقصد الضمني. إنها الأداة التي تضيء المناطق الرمادية بين القول والمعنى، وتكشف كيف أن السياق ليس إطارا للكلام فحسب، بل مفتاحا لفهمه.

في ضوء التداوليات، نكتشف أن كثيرا من الجمل التي تبدو إخبارية، تحمل وظائف إنشائية في الواقع؛ فالمتكلم لا يُعلِن فقط، بل يلمح، ويأمر، ويهدد، ويُدين دون أن يصرح. كقولك لأحدهم: الساعة تأخّرت ليس مجرد إخبار عن الزمن، بل قد يكون دعوة للانصراف أو لوما مغلفا، أو عتابا مؤدبا… وهكذا، تتحوّل الجملة من كونها ناقلة للواقع واصفة له، إلى أداة للتأثير فيه.

من يُتقن أدوات التداوليات، يمتلك بصرا وبصيرة في آن. يرى ما وراء الكلمات، ويفكك الخطاب لا كما كتب، بل كما أُريد له أن يفهم، في السياسة، وفي الإعلام؛ بل في الحياة اليومية، تصبح التداوليات وسيلته لفهم الناس والواقع والخطاب معا.