اللَّعيبة: حين يصاب اللسان العربي بذبحة لغوية!

ما عاد من الغرابة أن تجلس إلى مجلس شبابي، فتسمع العجب العجاب مما يسوق على أنه “تواصل”، بينما هو في الحقيقة تواطؤ لغوي على اغتيال البيان، وانقلاب على الفصاحة، وتمرد ناعم على نعمة اللسان.

لقد أصبح لبعض شبابنا “لغة” هجينة، لا هي عربية مبينة، ولا عامية مألوفة، ولا أعجمية مفهومة، بل مزيج من أصوات وغمغمات، تبنى فيها الجمل على كلمة واحدة لا غير: اللعيبة!

نعم، “اللعيبة”… تلك الكلمة العائمة، الزئبقية، التي تسللت إلى ألسنة الكثيرين، فابتلعت المفردات، وأقصت الدلالات، حتى أصبحت واسطة عقد اللغة الكسلى. إن نسيت اسم شيء، فقل: اللعيبة. وإن لم تعرف وصف موقف، فقل: “ذيك اللعيبة”. وإن أردت الحديث عن فكرة، أوجهاز، أوتجربة، أوشعور، أو حتى أزمة وجودية… فاللعيبة تتكفل بالمقام!

ولله درها من كلمة! كلمة قادرة على حمل ما لا يحمل، تتسع لألف معنى، وتضيق عن أن تفسر، حتى صار المرء في حيرة: أهي اسم، أم فعل، أم اسم فاعل مستتر خلف ضباب الغموض؟ أم هي علامة على انهيار حضاري ناعم، يؤتى اللسان فيه من قبل أهله، لا أعدائه؟

إن اللعيبة” ليست مجرد ظاهرة لغوية، بل عرض من أعراض الفقر المعجمي المريع، والتكلس التعبيري، والتقزم الذهني في ربط الكلمات بأفكارها. كأنما قطعت الصلة بين اللفظ والمعنى، فصارت العبارات تدور في فراغ، والأحاديث تنتقل من “اللعيبة ديالهم” إلى “اللعيبة ديال البارح” حتى “اللعيبة ديال ولد فلان”، دون أن يفهم من كل ذلك شيء، سوى أن قائله عاجز عن أن يسمي، أو يشير، أو يُحدد.

والمفارقة أن هذا التخلخل لا يصدر عن أُميين أو من حرموا التعلم، بل من فئة يفترض فيها المعرفة، وتلصق بها شهادات عليا، ولكنها – والحق يقال – تعيش بلا معجم، وتفكّر بلا كلمات.

ولنا أن نتساءل: كيف يكون الإنسان فكرا دون لغة؟ وكيف يمارس الوعي دون مفردات؟ وهل يعقل أن تختزل آلاف المفاهيم البشرية في “اللعيبة”، كأنما اختصرت الدنيا في كيس بلاستيكي نحمله دون أن نعلم ما فيه؟

لقد كانت العرب تقول: لكل مقام مقال، واليوم صار لنا مقام واحد، ومقال واحد، ومفتاح سحري يغني عن كل المعاجم: اللعيبة!

فيا أبناء الضاد، أما آن لكم أن تراجعوا عهدتكم المعجمية؟ أن تنقبوا في تراثكم اللغوي كما ينقب الذهب في المناجم؟ أن تدركوا أن اللغة ليست زينة اللسان فقط، بل أداة الفكر، ومعول الفهم، وجسر التواصل الحقيقي؟

إن الفقر المعجمي ليس مجرد خلل في التواصل، بل هو انسلاخ هادئ من الهوية، وافتقار صامت للثقافة، وانحدار تدريجي نحو مجتمع لا يحسن التعبير عن ذاته، فيوشك أن يفقد ذاته ذاتها.

فلنعد إلى اللغة. لا إلى تلك المغسولة المعقوصة الممسوخة في تطبيقات الدردشة، بل إلى اللغة الحية، الثرية، التي تسمي كل شيء باسمه، وتضع لكل دال مدلولا.

وأما “اللعيبة”، فحبذا لو نعيدها إلى مكانها الطبيعي: على ألسنة الأطفال في ملعب، لا على أفواه الكبار في مجالسهم.