من يحمل مشعل الضاد؟ أزمة تكوين الأساتذة الجدد في اللغة العربية

لا أظنني وحدي من بات يشعر بالقلق كلما سمع أخطاء أستاذ اللغة العربية اللغوية، أو علم أن قواعد النحو والصرف والإملاء تقدم باللهجة العامية، إضافة إلى الأخطاء الإملائية غير المقبولة.

لقد صار من المألوف – للأسف – أن نلاحظ ترديا واضحا في مستوى عدد لا يستهان به من الأساتذة الجدد، أولئك الذين يفترض أن يكونوا حملة مشعل اللغة، والمدافعين عنها في زمن صاخب تتزاحم فيه اللهجات واللغات في معركة لغوية لا ترحم.

الأمر لا يتعلق بزلة لسان أو خطأ عابر هنا أو هناك، بل بمظاهر مستمرة ومقلقة: ركاكة في التعبير، وضعف في التمكن من القواعد الأساسية، وأخطاء نحوية وإملائية فادحة، بل وحتى عجز عن تبسيط المفاهيم اللغوية للتلاميذ؛ هذا الواقع يدفعنا إلى طرح سؤال جوهري: ما الذي حدث لمسار تكوين أستاذ اللغة العربية؟

فالتحاق الطالب بشعبة اللغة العربية في الجامعة، أو مراكز التكوين التربوي، لا يكفي وحده لصناعة معلم كفء، أو مدرس ناجح، فكم من خريج نال شهادته بطريقة أو بأخرى، دون أن يكون قد ترسخت لديه أصول اللغة، أو نمت عنده مهاراتها بشكل راسخ! المشكلة أعمق من مجرد شخص، إنها بنية تكوين هشة لا تركز بما فيه الكفاية على الكفاءة اللغوية والتمرس العملي.

ثمة انفصال بين النظرية والممارسة، فالكثير من البرامج تكدس المعرفة في رؤوس الطلبة دون أن تزرع فيهم حب اللغة، أو تدربهم على نقلها بصدق وفاعلية، وما يزيد الطين بلة، أن بعض من يلجون مهنة التعليم، لا يحملون شغفا حقيقيا باللغة العربية، وإنما وجدوا أنفسهم فيها بدافع التعيين أو الاستقرار الوظيفي.

ولعل أخطر ما في هذا التدهور، أنه لا يقف عند الأستاذ وحده، بل ينسحب أثره على الأجيال القادمة، وتلك كارثة عظمى. فكيف نرجو من تلميذ أن يحب العربية، أو يعتز بها، أو يتقنها، إذا كان معلمه يخطئ في “إنّ وأخواتها”؟ بل ومنهم من يكتب لتلميذته على هامش دفترها بعد تصحيحه المزعوم: “أحسنتي بارك الله فيكي”! فهذه أخطاء ليست فادحة فحسب، بل هي أخطاء فاضحة.

كيف نبني ذوقا لغويا راقيا في قلوب الصغار، إن كان القدوة ضعيفا أمامهم؟ المعلم ليس مجرد ناقل معلومات، أو موجه في المثلث الديدكتيكي، بل هو صورة اللغة التي يتلقاها التلميذ، وينسج على منوالها.

الحل لا يكمن في جلد الأساتذة الجدد أو تهميشهم، بل في إعادة بناء منظومة التكوين من أساسها: مراجعة البرامج، تشديد معايير التخرج، تفعيل التقييمات العملية، وتقديم تكوين مستمر يكون فيه النقد البناء فرصة للتحسن لا للإدانة، كما يجب أن نعيد الاعتبار لمكانة الأستاذ القدوة، ونعزز حضور من يتقن العربية بحق في التأطير والمرافقة.

اللغة العربية ليست مجرد مادة دراسية كباقي المواد، بل إنها هوية ولسان أمة، وإن كان لكل أمة شعلة يحملها جيل إلى جيل، فإن مشعل الضاد لن ينار إلا بأيد تعي قدره، وتتقنه، وتحبه، وتجله. فمن يحمل هذا المشعل اليوم؟ وهل نحن بصدد فقدانه دون أن نشعر؟