الذكاء اللغوي وحفظ النصوص: عندما تتجلى الفطنة في عباءة الحرف.

إن اللغة ليست مجرد وسيلة تواصل، بل هي وعاء الفكر وروح الهوية، بها نعبر، وبها نرتقي. ومن هنا ينبثق الذكاء اللغوي، بوصفه أحد أبرز تجليات العقل البشري، كما صاغه [هوارد غاردنر] في نظريته عن “الذكاءات المتعددة”. ويتمثل هذا الذكاء في القدرة على توظيف اللغة بفصاحة ودقة، وفهم بنيتها وأساليبها، والتفاعل مع دلالاتها العميقة.

ومن أعظم مظاهر هذا النوع من الذكاء، ما نلحظه في القدرة على حفظ النصوص الطويلة والمسترسلة، وهو أمر لطالما تميزت به الثقافة العربية منذ فجرها، حيث امتزجت الفطرة البلاغية بالذائقة السمعية الرفيعة، فقد كان العرب قبل الإسلام يعلقون القصائد الطوال على جدران الكعبة، مثل المعلقات، ويروى أن السيدة عائشة رضي الله عنها كانت تحفظ آلاف الأبيات من الشعر الجاهلي، فضلا عن القرآن الكريم بأكمله، وهو أرقى نموذج للنص المحفوظ بدقة ووعي.

لذلك فحفظ القرآن الكريم يمن وخير وبركة، والتفريط في ذلك مع وجود الوقت والظروف حسرة وندامة.

فقشهد تاريخنا نماذج مبهرة من أصحاب الذكاء اللغوي، مثل الخليل بن أحمد الفراهيدي، الذي ابتكر علم العَروض واستنبط أوزان الشعر، والجاحظ الذي ملأ الدنيا بموسوعته البلاغية والفكرية، وكذلك الحمّادين، وهما حمّاد الراوية وحمّاد عجرد، اللذان عرفا في العصر الأموي والعباسي بحفظهما المذهل للشعر الجاهلي والإسلامي.
فأما حمّاد الراوية، فكان يلقب “براوية العرب”، وقد عرف بحفظه الجم حتى قيل: إنه يحفظ كل ما يروى من الشعر الجاهلي، وكان مرجعا في نقل المعلقات وسائر الأشعار.

وأما حمّاد عجرد، فكان شاعرا راوية بصريا ذا طابع ساخر، له نصيب وافر من حفظ الشعر ونقده؛ وعلى الرغم من أن بعض العلماء اتهموا الراوية باختلاق أو نسبة بعض الأبيات لغير أصحابها، فإن ذلك لا يقلل من موهبته اللغوية الخارقة، التي جعلته والذي ذكر قبله من أعلام الذكاء اللغوي في الذاكرة العربية.

هذا التميز في حفظ النصوص لم يكن مجرد تمرين ذهني، بل كان دليلا على اندماج العقل بالعاطفة، والذاكرة بالإيقاع، حيث يعيد صاحب الذكاء اللغوي إنتاج النصوص في ذهنه بوعي جمالـي، لا يقتصر على تكرار الحروف، بل يشمل إدراك النغمة والمعنى والسياق.

إن الذكاء اللغوي، في صميمه، قدرة على التماهي مع النص، والارتقاء بالكلمة من مجرد أصوات إلى كائنات حية تسكن الوجدان وتشكل وعي الإنسان، لذلك ظل هذا الذكاء أحد أعمدة الحضارة العربية والإسلامية، التي ارتكزت في نهضتها على الكلمة المقروءة والمسموعة والمحفوظة.