منطق النحو عند سيبويه من خلال مؤلفه “الكتاب”

يعد “الكتاب” لسيبويه أحد أعمدة النحو العربي وأول محاولة منهجية لوضع علم النحو في صورة متكاملة قائمة على منطق لغوي داخلي، لم يقتصر سيبويه على جمع شواهد اللغة، بل كان يؤسس لقواعدها بمنهج استقرائي تحليلي مستند إلى الفطرة اللغوية للعرب، وإلى منطق استنتاجي داخلي ينظم العلاقات بين عناصر اللغة.

في هذا المقال نحاول تسليط الضوء على “منطق النحو” عند سيبويه، أي الكيفية التي يعلل بها الأحكام النحوية، ويبنى بها القواعد، ويميز فيها بين الأصل والفرع، والقياس والسماع.

أ: مفهوم المنطق النحوي عند سيبويه

لم يستخدم سيبويه مصطلح “المنطق” صراحة بمعناه الفلسفي، لكن طريقته في التأليف تكشف عن عقلية منطقية منظمة، تسعى إلى تعليل الظواهر اللغوية وفق مبادئ ثابتة، كالمماثلة، والقياس، والاضطرار، والسماع.

ومن شواهد ذلك قوله في أول الكتاب:

“هذا باب ما حملوه على الكلام قبله”.

هنا يظهر مبدأ القياس، أي حمل لاحق الكلام على سابقه لوجود وجه من الشبه أو الاطراد، وهو مبدأ منطقي في غاية الأهمية.

ب: التعليل والقياس في “الكتاب

اعتمد سيبويه كثيرا على القياس والتعليل المنطقي، فهولا يكتفي بوصف الظاهرة، بل يشرح لماذا جاءت بهذا الشكل. مثلا، في باب “ما يجزم فيه الفعل”:

قوله: “وإنما جزم الفعل لأن “إن” وقعت موقع الفاء التي تجزم”

[الكتاب، الجزء الأول، باب الجزم]

هذا تعليل منطقي وظيفي، يفسر الظاهرة من حيث علاقتها بعناصر أخرى في الجملة.

ج:  الفَرْق بين الأصل والفرع

يميز سيبويه بين القياس والسماع، ويقر بأن الأصل في العربية هو القياس، لكن إذا ورد السماع عن العرب الفصحاء، فإن السماع يعلو. مثال على ذلك:

قوله: “واعلم أن الأصل ترك الإدغام، إلا ما كان من كلامهم كثيراً مطردا”
[الكتاب، الجزء الثاني]

فهو هنا يستحضر المنطق الإحصائي أو ما يمكن وصفه بـ”الاطراد”، وهو منطق ملاحظاتي Empirical Logic.

د:  نظرية العامل النحوي

سيبويه أسس لما صار يعرف في النحو بنظرية العامل، وهو مفهوم منطقي يحكم العلاقة بين الكلمات. مثال:

قوله: “واعلم أن الفعل إذا كان تامًّا فلا بد له من فاعل، كما أن “ضرب” يحتاج إلى ضارب”
[الكتاب، الجزء الأول]

هنا يظهر أثر الربط السببي، أي أن الحاجة إلى الفاعل تنبع من طبيعة الفعل التام، وهو تفكير منطقي تجريدي.

يمثل “الكتاب” لسيبويه مرحلة مبكرة في التأسيس العلمي للنحو، لكنه في الوقت نفسه يحتوي على كثير من المبادئ المنطقية التي تبناها سيبويه بطريقة عملية. حيث جمع بين الاستقراء (من خلال جمع الشواهد)، والاستنتاج (من خلال تعميم القواعد)، والتعليل (بتفسير الظواهر اللغوية). لذا فإن منطق النحو عند سيبويه ليس مجرد تنظيم لغوي، بل هو عقلية نحوية استنباطية رائدة.