في الأندلس، لم تكن اللغة العربية حكرًا على المسلمين، بل أصبحت لغة الحضارة التي يتكلم بها الجميع: المسلم والمسيحي واليهودي على حد سواء. فقد امتدت مكانة العربية لتكون لغة الدولة، والتعليم، والعلم، والأدب، فاستقطبت إليها كل من أراد الارتقاء أو التميز الثقافي، حتى من خارج الدائرة الإسلامية.
العربية تتجاوز الحدود الدينية
بحلول القرن التاسع الميلادي، أصبح من الشائع أن يُتقن المسيحيون اللغة العربية إلى درجة لفتت انتباه رجال الدين المسيحيين أنفسهم. فقد كتب “ألفارو القرطبي”، وهو كاهن مسيحي عاش في قرطبة، رسالة يشتكي فيها من أن شباب الطائفة المسيحية أصبحوا يتقنون العربية ويتفننون فيها بلاغةً وأسلوبًا، بينما أهملوا لغتهم الأصلية (اللاتينية) وكتبهم الدينية.
هذا التوجه لم يكن غريبا؛ فالعربية كانت لغة الفرص. من أراد منصبا إداريا، أو علما متقدما، أو حتى حضورا في الحياة الثقافية، كان عليه أن يتقنها. ولهذا، كان المسيحيون في الأندلس يرسلون أبناءهم إلى المدارس الإسلامية لتعلم العربية، بل شاركوا هم أنفسهم في الإبداع بها.
أدباء مسيحيون كتبوا بالعربية
لم يقتصر استخدام العربية على التخاطب، بل ظهر أدباء مسيحيون كتبوا بها أعمالًا أدبية وفكرية، نذكر منهم:
- سعيد بن البطريق (توفي 940م): طبيب ومؤرخ مسيحي كتب بالعربية في موضوعات طبية وتاريخية.
- حنين بن إسحاق: وإن لم يكن أندلسيا، إلا أنه من أبرز النصارى الذين كتبوا بالعربية، وترجموا بها، وأثروا التراث العلمي العربي.
- ابن العبري (1226–1286): مفكر سرياني مسيحي كتب مؤلفات دينية وتاريخية وفلسفية بالعربية.
- أسماء غير مباشرة من المستعربين: مثل بعض شعراء النصارى الذين عاشوا في قرطبة وطليطلة وساهموا في المشهد الأدبي العربي، وإن لم تصلنا جميع أسمائهم.
موروث حضاري مشترك
اللغة العربية في الأندلس كانت رمزًا لحضارة جامعة، استطاعت أن توحّد الناس رغم اختلاف أديانهم، تحت راية الثقافة والمعرفة. وهي تجربة تاريخية فريدة تستحق التأمل، لأنها تُظهر كيف يمكن للغة أن تكون جسرًا لا حاجزا.