اللسانيات الشرعية.

ورقة تأصيلية تأسيسية لفرع جديد من فروع اللسانيات.

نحو تأصيل لساني للخطاب الشرعي: ملامح تأسيسية لحقل اللسانيات الشرعية


الورقة التأسيسية: المسودة العلمية الأولية

الملخص:

تسعى هذه الورقة إلى تأصيل ميدان معرفي جديد يُسمى بـ”اللسانيات الشرعية”، يُعنى بتحليل النصوص والخطابات الشرعية من منظور لساني معاصر. وتنطلق من فرضية مفادها أن النص الشرعي، في سياق تلقيه وتأويله وإنتاجه الفقهي، يتسم بخصوصيات لسانية تتطلب أدوات تحليل تتجاوز الإطار الفقهي التقليدي إلى منهج وصفي علمي يزاوج بين معطيات اللسانيات التداولية، والحجاجية، والمعرفية. وتطمح الورقة إلى بيان الحاجة العلمية لهذا الحقل، وتحديد موضوعاته وحدوده ومناهجه، والدفاع عن مشروعيته في الوسط الأكاديمي، دون الخروج عن قواعد البحث العلمي الرصين أو الوقوع في التوظيف الدعوي.

عرفت اللسانيات تطورات كبيرة منذ منتصف القرن العشرين، وتفرعت إلى تخصصات دقيقة، منها اللسانيات القانونية، ولسانيات الخطاب السياسي، والجنائي، وغيرها. غير أن الخطاب الشرعي، رغم مركزية اللغة فيه، لم يحظَ إلى الآن بدراسة لسانية ممنهجة تنظر إليه بوصفه خطابًا لغويًا يحكمه النسق التداولي والاجتماعي والثقافي.
وتأتي هذه الورقة لتقترح تأصيل حقل معرفي يُسمّى بـ”اللسانيات الشرعية”، يُعنى بدراسة اللغة في نصوص الوحي والتأويل الفقهي، برؤية علمية ومنهج وصفي، من داخل الدائرة الأكاديمية.

. لماذا “اللسانيات الشرعية”؟ دوافع التأسيس

  • تميز النص الشرعي بخطاب تعبدي/إلزامي له بنيات لغوية تختلف عن غيره.
  • اعتماد الفقهاء عبر القرون على أدوات لغوية (عام/خاص، مجاز، دلالة، إلخ) لكنها لم تُدرس ضمن إطار لساني علمي حديث.
  • افتقار الدراسات اللغوية الحديثة إلى مقاربة النصوص الإسلامية بمنهج علمي محايد، لا دعوي ولا تفكيكي.
  • الحاجة إلى تجديد صلة اللسانيات بالتراث العربي الإسلامي بشكل مؤسس ومنهجي.

 تعريف اللسانيات الشرعية وحدودها

3.1 التعريف المقترح:

اللسانيات الشرعية هي علم يُعنى بدراسة الخطاب الشرعي (قرآن، حديث، فقه، فتوى، أصول) من منظور لساني معاصر، باستخدام أدوات التحليل التداولي، الحجاجي، النصي، والمعرفي، لفهم كيف يُنتج المعنى داخل النسق الشرعي.

3.2 الفرق بينها وبين المجالات المتجاورة:

المجالالموضوعالمنهجالغاية
اللسانيات القانونيةنصوص القانون الوضعيتحليل لغوي قانونيفهم القانون وتطبيقه
اللسانيات الجنائيةلغة الجريمة والتحقيقاتتحليل أسلوبي/صوتي/حجاجيدعم التحقيقات القضائية
اللسانيات الشرعيةالنصوص الشرعية والاجتهاديةلسانية تداولية وحجاجية ومعرفيةفهم النص الشرعي وتأويله

4. الموضوعات الرئيسة لهذا الحقل

4.1 التحليل التداولي للنصوص الشرعية

  • أفعال الكلام في القرآن والحديث.
  • السياق ودوره في إنتاج الحكم الشرعي.
  • التلقي والمقاصد التواصلية.

4.2 التأويل اللساني في أصول الفقه

  • دلالة العام والخاص بوصفها مقولات دلالية.
  • الأمر والنهي: تحليل لغوي تداولي.
  • أصول الفقه كنظرية لغوية تأويلية مبكرة.

4.3 الحجاج الفقهي

  • آليات الحجاج في بناء الحكم.
  • المقارنة بين الحجاج الفقهي والحجاج القانوني.
  • بلاغة الفتوى والخطاب القضائي الشرعي.

4.4 العلاقة بين اللغة والسلطة في الخطاب الشرعي

  • كيف تُنتج اللغة السلطة الدينية؟
  • متى تصبح العبارة ملزمة؟ وما شروطها التداولية؟

5. المنهجية

  • وصفية، غير معيارية.
  • تستند إلى النظريات اللسانية الحديثة: التداولية، الحجاج، لسانيات النص، علم المعنى المعرفي.
  • تراعي السياق الفقهي والتراثي، دون الخضوع له أو رفضه.

6. الردود العلمية على الاعتراضات المحتملة

  • المجال دعوي وليس علميًا → المنهج المعتمد وصفي تحليلي، لا تفسيري ديني.
  • ليس له سابقة أكاديمية → هذا طرح تأسيسي، كما بدأت لسانيات القانون والسياسة والجنائيات.
  • يُشوّه العلوم الشرعية أو يعلمنها → بل يُفهمها ويحللها وفق أدوات علمية، دون أن يحكم عليها.
  • خطير على العقيدة → لا يتعرض للغيب أو الثوابت الإيمانية، بل يدرس الخطاب بوصفه لغة متداولة.

إن اللسانيات الشرعية تمثل فرصة علمية حقيقية لتجديد النظر في الخطاب الإسلامي، دون أن تخرج عن نسق البحث الأكاديمي الرصين. وهي دعوة لإقامة حوار معرفي بين علوم التراث وعلوم اللسان المعاصرة، يُنتج فهمًا أعمق للنص الشرعي في بنيته وسياقه وتلقيه، ويؤسس لتوطين حقيقي للمعرفة اللسانية في البيئة الإسلامية.

مع تحيات الأستاذ: الزهراوي